لم يعد نهر العاصي زينة مدينة حماة وشريان حياتها ولا بقية المناطق التي يعبرها في سوريا، فقد غارت مياهه إلى حد ظهور قاعه الجاف، بشقوقه وحجارته، ونمت الطحالب والحشائش على ضفتيه، وغاب أيضا “عنين النواعير” أو صوتها المؤنس بعدما توقف دورانها وبهتت ألوانها منذ شهور.
أمام أشجار غادرتها الخضرة وكومة من الأغصان اليابسة يحمّلها على جرّاره يقف المزارع سامر العوض وسط بستانه بمحاذاة نهر العاصي على أطراف المدينة بادي الأسى لما آل إليه حال حقله الذي كان بهيجا ومثمرا ومعطاء قبل سنوات.
يقول العوض للجزيرة نت “جميع البساتين جفت مع انعدام المياه، الأرض كانت خضراء ولا نستطيع زراعتها بأشجار بعلية، ونعتمد في زراعتنا على الخضار الموسمية والفواكه، لكنها يبست”.
ويضيف أن “الشجر بحاجة للري مرة كل أسبوع، وبالحد الأدنى مرة كل شهر، لكن أين الماء؟”.
من جهته، يقول عبد الرزاق -وهو أحد المزارعين الذين يعتمدون على مياه نهر العاصي- وهو ينظر إلى أشجاره الذابلة وثمارها التي يبست من الجفاف “الموسم سيئ للغاية، الثمار حُرقت من قلة المياه، والوضع مأساوي جدا”.
وفي ظل شح المياه وتضرر الأشجار يقص عبد الرزاق الأغصان اليابسة ويستعين أحيانا بصهاريج المياه “لترطيب الشجر قليلا حسب إمكانياتنا المالية البسيطة”، كما يقول.
وبعد مطالبات عدة حثيثة من المزارعين وهلاك ثمارهم من الجفاف استجابت محافظة حماة بفتح سد الرستن على مجرى النهر في حمص بكميات محددة لسقاية الأراضي والأشجار، وجريان النهر لمدة يومين بمعدل بسيط.
يدفع نهر العاصي -الذي يشق مدينة حماة ويقسمها إلى منطقتين رئيسيتين، الحاضر والمدينة- ضريبة التغير المناخي والجفاف المستمر الذي ضرب المنبع والممر والمصب، ويعاني المزارعون شح المياه وقلة الحيلة بعد أن انقطع هذا الشريان المائي الحيوي أو نضب إلى حد الجفاف.
وفي السنوات الأخيرة أثرت التغيرات المناخية -بما فيها الجفاف والحرارة الزائدة- على بلاد الشام، خصوصا سوريا ولبنان، إذ تشير الدراسات إلى تراجع معدل هطول الأمطار في لبنان من 520 مليمترا في 2024 إلى 262 مليمترا في 2025.
كما أشارت تقارير أخرى إلى أن موسم شتاء 2025 كان الأدنى في معدلات هطول الأمطار في سوريا منذ 1956 تقريبا، وهو ما أدى إلى جفاف غير مسبوق أثر على مخزونات السدود ومجاري الأنهار -ومنها نهر العاصي- وعلى الزراعات بمختلف أنواعها.
وقد أثر جفاف المنبع في جبل لبنان أو الروافد الأخرى بشكل مباشر على غزارة المياه في نهر العاصي، مما أدى إلى جفاف مناطق عدة منه، فانخفض مخزون المياه في سد الرستن بريف حمص الشمالي المجمّع المائي لنهر العاصي قبل دخوله مدينة حماة، وقد شهد السد في الآونة الأخيرة انخفاضا كبيرا في منسوبه.
ويؤكد مدير الموارد المائية في حماة المهندس رياض العبيد في حديثه للجزيرة نت أن منسوب المياه في النهر ضعيف جدا مقارنة بالسنوات الماضية، وهو ما يعادل أقل من ثلث ما خُزّن العام الفائت، بحسب تقييمه.
ويشير العبيد إلى أن “أزمة الجفاف في سوريا والمنطقة ناجمة عن تغير مناخي عالمي تسبب في قلة الثلوج والأمطار على الجبال اللبنانية المغذية لينابيع نهر العاصي”.
وبحسبه، فإن معدل الأمطار المنخفض بنسبة 30% على الأقل من معدلها السنوي ظاهرة غير مسبوقة منذ عشرات السنين في تاريخ البلاد.
ويؤكد العبيد أن سد الرستن يخزّن 15% من طاقته الاستيعابية، والكمية كافية لإبقاء نواة السد رطبة في حدود الأمان، مؤكدا أنه لا يعاني من الجفاف الكلي.
ويرى أن إغلاق السد يسبب جفاف مجرى نهر العاصي، وبالتالي نقص المساحات المروية وتضرر مواسم الزراعة، وكذلك إنتاج الثروة الحيوانية وأعدادها، وتوقع استمرار الجفاف في السنة المقبلة حسب المعطيات والظواهر الراهنة.
في ظل الشح المائي وجهت المؤسسة العامة لمياه الشرب في حماة بترشيد استهلاك مياه الشرب وعدم استخدامها لغير ذلك، وذلك بعد تشغيل 450 مشروعا للمياه في المحافظة، بحسب مدير مؤسسة المياه المهندس عبد الستار العلي.
ويأتي ذلك مع انخفاض مناسيب الآبار الجوفية وتراجع غزارة عدد كبير من الآبار السطحية والينابيع.
ويقول العلي للجزيرة نت “الوضع العام لمياه الشرب في حماة بين المقبول والجيد، وتعمل المؤسسة على استثمار كافة الموارد المتاحة بأكبر عدد ممكن من الساعات، بتوازن بين الاستمرار بالتزويد بمياه الشرب للمواطنين من جهة، والمحافظة على عدم تأثرها بالاستجرار الزائد من جهة أخرى”.
ويشير إلى أن عدد ساعات التقنين ووصول المياه للمواطنين مرتبط بكميات المياه المنتجة وحجم الطلب على مياه الشرب، آملين عدم اضطرارهم لزيادة مستوى التقنين مع زيادة ساعات التغذية الكهربائية مؤخرا للبلاد (ساعتان وصل، و4 ساعات قطع).
ويؤكد العلي أن تشغيل الآبار الداعمة هو حل معتمد من قبل المؤسسة، مع محافظتهم على بقاء مواصفة الآبار ضمن الحد المسموح فيه للشرب فوق المواصفة القياسية السورية رقم 45 لعام 2007.
بدوره، يعود عبد القادر -وهو رجل ستيني من حماة- بذاكرته إلى ستينيات القرن الماضي حين شهدت المدينة وما حولها جفافا ممتدا أدى إلى شح في مياه الشرب والسقي وخراب في المزروعات ونقص كبير في تربية المواشي.
ويصف حال المدينة الراهن بكونها “حزينة دون نهرها، فقدت زهوها مع جفاف نهر العاصي الذي كان المعلم الأشهر لها مع نواعيرها التي جفت أخشابها هي الأخرى وتوقفت عن الدوران منذ شهور”.
ويشير إلى أن نضوب النهر أدى إلى انتشار آفات أخرى مثل الحشرات والجرذان والأوبئة في المناطق المحيطة به، مثل منطقة بستان السعادة وشارع أبي الفداء.
في المقابل، يرى أن مخزون مياه الشرب للمحافظة أولوية يجب الاهتمام بها وتفضيلها عن المنظر الحضاري، ولربما عن المزروعات في بعض الأوقات الصعبة خوفا من الوصول إلى الجفاف التام للمصادر المائية.
Recommended for you
مدينة المعارض تنجز نحو 80% من استعداداتها لانطلاق معرض دمشق الدولي
تقديم طلبات القبول الموحد الثلاثاء و640 طالبا سيتم قبولهم في الطب
وزير الطاقة والمياه الأفغاني للجزيرة نت: بأموالنا نبني السدود ونواجه الجفاف
سعر الحديد اليوم الجمعة 15- 8- 2025.. الطن بـ40 ألف جنيه
الجغبير: القطاع الصناعي يقود النمو الاقتصادي
وزارة الإعلام تعلن إقامة النسخة الـ10 من "واحة الإعلام"