كتبت الباحثة لونا لحامد في دراستها حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي: “الذكاء الاصطناعي يتطلب منظومة أخلاقية توازي قدراته، فحين تُغيب هذه الأخلاقيات، يتحول من أداة للتقدم إلى وسيلة لصناعة كوارث لا يمكن احتواؤها”.
هذا التحذير الأكاديمي لم يبقَ مجرد تنبّؤ، بل صار واقعا صارخا في قطاع غزة، حيث بات الذكاء الاصطناعي أداة قتل تُدار بخوارزميات باردة لا تعرف الرحمة.
ماذا يبقى من إنسانيتنا حين تُحسم قرارات الحياة والموت عبر خوارزميات؟ أين تتوقف الأخلاق حين تصبح الحروب رقمية، والمجازر قابلة للضغط بزرّ؟
لقد تجاوزت الحرب الإسرائيلية على غزة تقنيات السلاح التقليدي، وبلغت مرحلة “القتل الذكي”، حيث تتولى الخوارزميات تحديد الأهداف، وتصنيف الأجساد، ورسم “أولويات القصف” وفق بيانات ضخمة تُعالج في الزمن الحقيقي. القرار لم يعد بيد قائد عسكري متوتر، بل بيد نظام آلي يُنفذ القتل بلا مساءلة.
تُروج إسرائيل لاستخدام الذكاء الاصطناعي بوصفه “ابتكارا أمنيا”، لكنه في الحقيقة ليس سوى شكل جديد من أشكال الاستعمار الرقمي، يُخفي الجريمة تحت ستار التقنية. هذا الاستخدام لا يهدف إلى تقليل الضحايا كما يُدّعى، بل إلى تقليل كلفة الحرب على المعتدي، وتكثيفها على الطرف الأضعف.
يُستخدم التعلّم الآلي لتحديد “أهداف ذات قيمة عالية”، وهي عبارة مراوغة قد تشمل منازل ومدارس ومستشفيات. تُجمع البيانات من الهواتف، والطائرات المسيّرة، وكاميرات المراقبة، وحتى من مواقع التواصل، لتُتخذ قرارات القتل خلال دقائق. لم تعد الحرب فعلا بشريا مؤلما، بل ممارسة تقنية – استعمارية تُجرَد من كل اعتبار إنساني.
هذه المأساة الأخلاقية تتجاوز حدود غزة، لتطرح سؤالا على العالم: ماذا يبقى من إنسانيتنا حين تُحسم قرارات الحياة والموت عبر خوارزميات؟ أين تتوقف الأخلاق حين تصبح الحروب رقمية، والمجازر قابلة للضغط بزرّ؟
لا تقتصر المقاومة على السلاح، بل تمتد إلى المعرفة والكتابة والصورة والقانون. تحويل الألم إلى شهادة، والصورة إلى وثيقة، والخسارة إلى صرخة في وجه صُنّاع الخوارزميات
تغيب الرقابة الدولية، وتتواطأ مؤسسات التكنولوجيا الكبرى، في تطبيع هذه الأدوات بوصفها “حلولا أمنية قابلة للتصدير”. لقد تحوّل الذكاء الاصطناعي في غزة إلى أداة إفناء، تُنفذ القصف وفق أنماط حرارية وحركات مريبة، وقد يكون ضحية الخوارزمية طفلا لم يبلغ عامه الخامس.
المشكلة ليست تقنية، بل أخلاقية وإنسانية. حين تُبرمج المجازر وتُنفذ بدقة حسابية، يغدو الإنسان مجرد معطى رقمي يُمحى من الوجود بقرار آلي. وتتحول الحرب إلى مشروع برمجي معولم، بلا مساءلة ولا قانون.
لكن في المقابل، لا تقتصر المقاومة على السلاح، بل تمتد إلى المعرفة والكتابة والصورة والقانون. تحويل الألم إلى شهادة، والصورة إلى وثيقة، والخسارة إلى صرخة في وجه صُنّاع الخوارزميات، هو شكل من أشكال المقاومة. فحتى لو كان الذكاء اصطناعيا، لا بد أن يبقى الضمير إنسانيا.
Recommended for you
مدينة المعارض تنجز نحو 80% من استعداداتها لانطلاق معرض دمشق الدولي
وزير الطاقة والمياه الأفغاني للجزيرة نت: بأموالنا نبني السدود ونواجه الجفاف
سعر الحديد اليوم الجمعة 15- 8- 2025.. الطن بـ40 ألف جنيه
تقديم طلبات القبول الموحد الثلاثاء و640 طالبا سيتم قبولهم في الطب
الجغبير: القطاع الصناعي يقود النمو الاقتصادي
انجذاب من أول نظرة.. كريم عبد العزيز وهايدي: حب بدأ بتجمع عائلي وزواج 20 عاما