لم تعد القوة في عالم اليوم تُقاس فقط بحجم الجيوش أو وفرة الموارد الطبيعية، بل باتت تُصاغ أيضاً في مراكز الابتكار، وتُروَّج عبر الثقافة والإعلام، وتُمارَس من خلال الاقتصاد الإبداعي والمعرفي. تبرز دبي لاعباً رئيساً في ترسيخ ما يُعرف بـ”الاقتصاد الناعم” في المنطقة، مستفيدة من مزيج فريد يجمع بين الرؤية الاستراتيجية والبنية التحتية المتقدمة والتأثير الثقافي والتكنولوجي.
فالاقتصاد الناعم لا يقتصر على أدوات الدبلوماسية العامة أو الفنون فحسب، بل يشمل أيضاً خلق بيئات جاذبة للعقول، وتطوير مراكز تفكير وإبداع، والاستثمار في اقتصاد المعرفة والابتكار. وقد نجحت دبي، خلال العقود الماضية، في بناء نموذج اقتصادي يتجاوز التجارة والخدمات، ليُصدّر الأنماط والأفكار، ويُرسّخ تأثيرها الناعم إقليمياً وعالمياً.
يكفي أن نلقي نظرة على مشروعات، مثل “متحف المستقبل”، ومبادرات الذكاء الاصطناعي، و”استراتيجية دبي الرقمية”، لندرك حجم التحول الذي تقوده الإمارة. كما يُعدّ مركز دبي المالي العالمي، اليوم، أحد أبرز المحاور المالية ليس فقط في الشرق الأوسط، بل على مستوى الأسواق الناشئة عموماً.
تشير المؤشرات الدولية إلى أن دبي تتقدم بثبات في تصنيفات عالمية عدة: فهي الأولى عربياً في مؤشر المراكز المالية العالمية، ومن بين المدن الـ10 الأوائل عالمياً في مؤشرات الجاذبية الرقمية والابتكار الحضري، كما أظهر “تقرير التنافسية الرقمية 2024” الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية، أن الإمارات، بدفع كبير من دبي، تحتل موقعاً ريادياً في جاهزية الحكومة الرقمية والتجارة الإلكترونية.
وتسهم الفعاليات العالمية في تعزيز هذا التأثير، فمن “إكسبو 2020 دبي” إلى “القمة العالمية للحكومات” و”COP28″، مروراً بالمهرجانات الثقافية والفنية، استطاعت دبي أن تُوظّف المشهد العام أداةً استراتيجيةً لتوليد الثقة، واستقطاب الاستثمار، وصياغة خطاب عالمي جديد. وتبرز المدينة اليوم وجهةً مفضلةً لصُنّاع السياسات، وروّاد الأعمال، والمبدعين من مختلف أنحاء العالم.
ومع كل هذا النجاح، يبقى التحدي الأكبر أمام دبي هو الحفاظ على الزخم، وتوسيع القاعدة الإنتاجية في مجالات الإبداع والمعرفة. فمع تصاعد المنافسة مع العديد من المدن الناشئة، يبرز سؤال جوهري: كيف تحافظ دبي على ريادتها في الاقتصاد الناعم؟ والإجابة تكمن في تعزيز الاستثمار بالمحتوى المحلي، وتوطين التكنولوجيا، وتوسيع دائرة المشاركة المجتمعية، فلا يوجد أدنى شك في استمرار دبي في مسار طموح ومتوازن بين الانفتاح والتنظيم، فهي لا تقترب فقط من صدارة الاقتصاد الناعم إقليمياً، بل قد تُصبح نموذجاً عالمياً لمدينة تصنع تأثيرها من دون ضجيج، وتكتب مستقبلها بلغة التأثير الهادئ، لا القوة الصلبة.
Recommended for you
مدينة المعارض تنجز نحو 80% من استعداداتها لانطلاق معرض دمشق الدولي
تقديم طلبات القبول الموحد الثلاثاء و640 طالبا سيتم قبولهم في الطب
سعر الحديد اليوم الجمعة 15- 8- 2025.. الطن بـ40 ألف جنيه
وزير الطاقة والمياه الأفغاني للجزيرة نت: بأموالنا نبني السدود ونواجه الجفاف
الجغبير: القطاع الصناعي يقود النمو الاقتصادي
وزارة الإعلام تعلن إقامة النسخة الـ10 من "واحة الإعلام"