ماذا يعني الغرقُ في البحر المتلاطم الروح، الذي يرفلُ بالسرّ الكامن في أعماقه، ويدبُّ فيه الخطرُ في شكلِ الموت المرتقب؟ ولماذا يعمدُ الأدباء إلى اعتباره مركزاً للارتباط بين المياه التي اعتبرها طاليس نواة الحياة، والهواء الذي اعتبره انكسيمانس أصل المسبّبات؟ وهل اعتبر ارنست همنغواي في روايته “العجوز والبحر”، بأنَّه يفكّ طلاسمَ الكون التي سطّرها ناموسُ الغيب منذ القدم؟
في روايته “حكاية غريق”، يعمّدُ غابريال جارسيا ماركيز أجنّةَ الضمور الإنساني في مواجهة التحوّلات الظرفيّة، ويثبّتُ الزمن على مشهد غرقٍ وشيك، وكأنّ أصولَ التفكّك التشفيري للإنسان يبدأُ من لحظة العدم، في نظريّةٍ هيغليّةٍ تصوّرُ الجفولَ الطبيعي الراسب في النفس البشريّة من الموت، فيتركُ لنا لوحةَ المشهد ليكتبَ منه روايةً تتتابعُ في حركاتٍ تأثيريّة في سياق المونولوج الذاتي الذي يتكلّم فيه البحّارُ الغريق، وقد استحضرَ مسار الأحداث من ذاكرته التي كاد أن يثقبَها الخوفُ والألم.
القصّةُ مأخوذةٌ من الواقع، بدأت بتحقيق صحفي لماركيز وتحوّلت إلى رواية، تدورُ حول البحّار الكولومبي لويس أليخاندرو فيلاسكو، الذي تعرّض لكارثةٍ عظمى في البحر نتيجة تحميل المدمّرة الكولومبيّة التي كان على متنِها، بالبضائع الخاصّة الممنوعة، وتعرّضها لعاصفةٍ خرقاء، وعجز القبطان عن إعادة التوازن للسفينة نتيجة الحمولة الزائدة، ليرقبَ أصدقاءه يغرقون واحداً إثر الآخر، وحدها ساعةُ يده بقيت تنبضُ بالحياة، وكأنّها إشارةٌ له على وجوب الكفاحِ في سبيلِ البقاء، فيجدُ قارباً صغيراً كان بالنسبة له بيتاً آمناً طوال العشرة أيّام التي قضاها هائماً في البحر والمجهول.
يفصّلُ الراوي البحّارُ ما تعرّضَ له في عالمٍ مجهول، وحيداً بين أمواجٍ متلاطمةٍ وأسماكِ قرشٍ جائعة، تنتظرُ موتَه لتنهشَ في جسده الطري، من دون ماءٍ أو طعام، حتّى أنّه يضطرُّ أن يتحوّل على طريقةِ الانسان البدائيّ إلى حيوانٍ شرس، يطاردُ فرائسه ليأكل من السمك الحي، ويتنازع مع أسماك القرش على طرائده، ويبلغُ به الجوعُ حدّ التهامه لعصا يجدها على متن القارب، ولبطاقات الموبايل التي وضعها في جيبه في البرّ قبل صعوده إلى السفينة، وتراوده ليلاً أوهامُ البحر فتنتابه التهيّؤات التي تشبهُ الحقيقة، بأنّ صديقه الميّت يزوره ليلاً ويتشاوران ويضعان خططاً لتسيير القارب، ولكنّه يستيقظُ في صباح اليوم التالي فلا يجدُه.
تمرُّ به الدقائقُ وكأنّها الدهر المتسمّر على باب الأمل، لا بصيصَ من ضوءٍ يبشّرُ بقرب إنقاذه، وتمرٌّ من أمامه سفينةٌ لا تلمحه، وكذلك تحوم فوقه طائرة ولكنّها لا ترصده، فيتيقّنُ من الهلاك، ولكنّه يبقى حيّاً.
يتعرّضُ قاربه للغرق بعد هبوبِ عاصفةٍ تطيحُ به، ولكنّه يتمكّنُ بطريقةٍ ما من إعادة السيطرة عليه، ويلمحُ طيور النورس تحلّقُ فوق رأسه ويرى في الأمر دلالة على قرب وصوله إلى اليابسة.
وعندها يلمحُ أطراف البحر تنتهي بساحلٍ ممتدّ على طول الشطآن، فيتيقّنُ من الخلاص ويصلُ وقد نفدت أنفاسه وتهتّك جسده لحدّ التمزّق، ويعثر عليه أحدُ المشاة ويبشّره بأنّه في موطنه الأصلي كولومبيا وينقله إلى كوخه ويعتني به، ثمّ يتمّ نقله بواسطة جمعٍ غفيرٍ من الناس إلى طبيب القرية التي تبعدُ عن مكانه مسافة يومين، ومن ثمّ يعود بالطائرة إلى أهله، وتبلغ شهرته الآفاق وتتسابقُ شركاتُ الدعاية الى توقيع عقودٍ معه للظهور في اعلاناتها، ويتحوّلُ إلى بطلٍ رمزيّ قاوم الموت بصلابةٍ وعزيمةٍ لا تُقهر.
تمثّلت براعةُ ماركيز في هذه الرواية بتجسيده للأحداث التي اعتمدت التعويلَ على العقل في الوصول لسبيل الخلاص، والعناية بأدقّ التفاصيل من غير تنطّع، ولجمِ اليأس رغم اشراف الغريق على هوّةٍ فاغرة تبتلعُ الأحياء، وكأنّ الوجودَ حسبما قال سارتر حقيقة أسبق على الماهيّة، اذن فالإنسانُ مسؤولٌ على ما هو عليه، وبين الكينونة الحرّة والكينونة المطلقة الا النزعة الذاتيّة المفرطة لحبّ الحياة.
وقد استطاعَ ماركيز الذي غلب عليه الطابعُ الروائي بأن يجعلَ من مجرّد حوارٍ صحفيّ مع غريق روى تفاصيلَ غرقه بنفسه، روايةً تأهّبيّة تسردُ رمزيّاً لوحةً تحملُ لونين لا غير، اللونَ الأبيض الذي يشيرُ إلى الحياة، واللونَ الأسود الذي يدلّلُ على الموت، وقاربُ الغريقِ يشقُّ طريقه بينهما في تخلخلٍ واضح، ومحاولاتٍ بائسة تنتهي به إلى النجاة، ودخول حكاية أساطير البحر الذي لم يرحم يوماً من توغّل في حناياه وخباياه الآسرة والخطيرة.
Recommended for you
مدينة المعارض تنجز نحو 80% من استعداداتها لانطلاق معرض دمشق الدولي
سعر الحديد اليوم الجمعة 15- 8- 2025.. الطن بـ40 ألف جنيه
وزير الطاقة والمياه الأفغاني للجزيرة نت: بأموالنا نبني السدود ونواجه الجفاف
تقديم طلبات القبول الموحد الثلاثاء و640 طالبا سيتم قبولهم في الطب
الجغبير: القطاع الصناعي يقود النمو الاقتصادي
انجذاب من أول نظرة.. كريم عبد العزيز وهايدي: حب بدأ بتجمع عائلي وزواج 20 عاما