منذ سنوات عديدة ودولة قطر وسائر دول الخليج تدق نواقيس الخطر في ارتفاع مستوى معدلات الطلاق وما يقابلها من عزوف لدى الشباب عن الزواج، ووضعت هذه الدول التشريعات والقوانين التي من شأنها بحسب رؤيتها أنها ستقضي على هذه المشكلة أو على الأقل ستحد من تفاقمها إلا أنها ما زالت حتى يومنا هذا في ازدياد، قبل فترة أجرت صحيفة الشرق حواراً شاملاً مع الدكتورة شريفة العمادي المدير التنفيذي لمعهد الدوحة الدولي للأسرة بمؤسسة قطر وأكدت أن مؤسسات الدولة تعمل وتتكاتف من أجل إيجاد حلول جذرية لمشكلات الطلاق وعزوف الشباب عن الزواج والتقليل من مخاطر مواقع التواصل الاجتماعي على الترابط الأسري. ونبهت إلى ضرورة أن تسارع مؤسسات الدولة لدراسة ظواهر بدأت في الظهور، مثل عزوف الشباب من الجنسين عن الزواج، والتأثير السلبي لمواقع التواصل الاجتماعي على الحياة الأسرية وعلى علاقات الزوجين، وتكاليف الزواج الباهظة التي تؤدي إلى فخ الديون والقروض وترهق كاهل الشباب، وحالات الطلاق المرتفعة، وغياب الحوار بين طرفي العلاقة الزوجية، وغياب مفهوم الثقافة الأسرية والزوجية عند الشباب، مؤكدة أهمية الإسراع في عمل دراسات لها بهدف إيجاد حلول مثمرة تقلل من مخاطرها وحدتها.

وأوضحت العمادي أن ارتفاع نسب الطلاق ظاهرة عالمية ومنها دول الخليج توجد فيها نسب مرتفعة أيضاً، وقد لاحظنا أن نسبة 22% من حالات الطلاق قبل الدخول في فترة عقد القران (الملكة)، والذي يحسب من نسب الطلاق وأن الخطورة التي لاحظناها أن 46% من الحالات وقع الطلاق فيها قبل إكمال سنة من الزواج وعندما بحثنا في ذلك وفق إحصائية 2019 و2020 أن هذه الحالات ليست لديهم أطفال والمشكلة أن المطلقين بنسبة 66% في هذه الفترة، وهناك نسب طلاق لما بعد العام الأول من الزواج وبعد إجراء دراسات مع جامعة قطر، وكانت العينة من طلاب وطالبات الجامعة ذكرت الأغلبية في حديثها عن أسباب الطلاق عدم التوافق وعدم الانسجام بين شخصية كل من طرفي العلاقة، والاختيار غير الجيد، ودراسة أخرى كشفت عدم التوافق وعدم الاختيار الجيد للشريك وعدم وضوح المفهوم من العلاقة الزوجية في السنة الأولى من الزواج وكيفية التعامل بين الطرفين.

كما أن الأسرة اليوم لم تعد تركز على تثقيف الأبناء بمفاهيم الحياة الزوجية كما كان في السابق بسبب طبيعة العصر وسرعته وهذا يتطلب من الأسر والمؤسسات الأسرية والمراكز المعنية بالشباب توعية الأبناء في كيفية تكوين أسرة ووضع منهج عمل أيضاً للحياة الزوجية، لأن دورها هو النهوض بالمجتمع، وأنهم سيكونون في الغد نواة لأسر تخدم مجتمعهم.

ومن وجهة نظرها ترى الدكتورة شريفة أن مشكلة العزوف عن الزواج أخطر بكثير من مشكلة الطلاق لأن الدراسات الميدانية والإحصائية بينت أن حالات الطلاق التي وقعت في السنة الأولى من الزواج أو بعد عقد القران تعود للزواج مرة أخرى وهذه نقطة إيجابية جداً، لأنهم يبدؤون حياة زوجية جديدة وهذا أمر إيجابي بكل تأكيد.

ولكن الخطورة تكمن في العزوف لأنه بالفعل لا توجد لدينا مشكلة عنوسة بين الفتيات إنما يوجد عزوف من الجنسين عن الزواج، فكل منهما يختار ألا يتزوج، وأسباب ذلك تعود إلى طبيعة العصر الذي نعيشه بكل ما فيه من كماليات ووسائل رفاهية.

نحن اليوم نحتاج إلى غرس الثقافة الأسرية والزوجية لدى الجنسين وهذا جرس إنذار ولابد أن تركز كل البرامج المجتمعية اليوم على أهمية الارتباط الزوجي.

ولتسمحوا لي كمهتم ومُعايش لهذه المشكلات التي نغّصت على حياة الكثير من أسرنا ومجتمعنا أن أتحدث من منظور المواطن وليس المسؤول أو الباحث في لب المشكلة والتي يضع لها حلولاً علمية ممزوجة بالجوانب النفسية والاجتماعية، وأرى أن مشكلة تزايد نسب معدلات الطلاق والعزوف عن الزواج سببها المباشر هي الأسرة في المقام الأول، فهذه المشكلات لم تطرأ على مجتمعاتنا وتتفاقم إلا بعد أن تحسنت أحوالنا المادية وصرنا نتقلب بفضل من الله في النعم والرخاء الزائد، مما أفقدنا روح التماسك والترابط بين الأسر في المجتمع الواحد، وصارت الأسرة بنفسها تعاني من التفكك بسبب توفر وسائل التواصل الذكي والمميت في نفس الوقت، صارت العزلة هي حالة الأسرة فكل عاكف على جهازه وعيونه عليه حتى عندما يجتمعون على غداء أو عشاء أو مناسبة اجتماعية، حتى فقدت روح التواصل والألفة والمحبة.

وعليه فقد تساهلت الأسرة في هذا الجانب مما خلق سلوكاً لدى أفراد الأسرة بعدم أهمية التواصل بينهم وأن هنالك ما هو أهم من ذلك وهو متابعة من هم خارج محيطهم من مشاهير وفنانين وعارضات أزياء، حتى باتت هذه النماذج تحل محل الوالدين في الاقتداء والتطبع بطبائعهم وسلوكياتهم، وأصبح لديهم قناعة بأنهم مكتفون وليس الزواج ولا بناء أسرة شغلهم الشاغل، فهم بزعمهم الناقص والمشوّه يعيشون حياتهم بكل حرية ولا يريدون أن يُنغّص عليهم أحد! في زمن آبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا كانوا بمجرد أن يصلوا إلى أعمار مبكرة تبدأ من 16 عاماً وهم يفكرون بالزواج، وحلم كل واحد أو واحدة منهم أن يبني بيته ويملأه بالأطفال، لأن حياتهم كانت بسيطة ومتواضعة، وكل منهم يتولى مهمته لبناء أسرته ولا وقت لديهم لإضاعة الوقت واللهو، فهم قمة سعادتهم ومتعتهم أن يجتمعوا تحت سقف واحد ويعيشوا حياتهم البسيطة دون أن يعكرها أي معكر، وأما حالنا الآن فيرثى له، فلا الشاب ولا الشابة مقتنعان بهذا الرابط المقدس بأنه هو أساس الحياة ومستقبلها، لأن الحياة المادية طغت على كافة جوانب حياتهما.

وأما عن تفاقم حالات الطلاق فلا شك أن للأسرة دورا كبيرا في تفاقمها لأنهم لم يقوموا بدورهم المطلوب في الإصلاح بينهم، بل نرى الكثير منهم يزيدون من تأجيج هذه الخلافات إن لم يكونوا هم السبب الرئيسي في نشأتها، وفي المقابل نرى أن الطلاق هيّن لدى الطرفين لتهاون أسرتيهما وعدم الحيلولة دون حدوثه، فقد ولّدوا لدى بناتهم فكرة الاكتفاء وبأنهم ليسوا بحاجة إلى أزواج طالما أن كل شيء متوفر لهم في بيوت أهاليهم، ولم يعلموا أن الفتاة لا قيمة لها بلا أسرة وأبناء وزوج وكذلك الحال للشاب، فما حالهم بعد سنوات قادمة تتسارع فيه الأعمار ثم يتحسرون على قرارات اتخذوها جعلتهم يعضون أصابع الندم.

لكل ولي أمر وولية أمر، اتقوا الله في أبنائكم ولا تغالوا في الزواج وتُعسّروا عليهم، ولتسهلوا عليهم حتى تروا السعادة تحيط بهم من كل جانب، فما أجمل الحياة وأنت ترى أبناءك وبناتك يعيشون السعادة والطمأنينة وأحفادك يملؤون بيوتهم متعة ودفئاً.