يطلق مصطلح “النداء الأخير” على الفترة الحرجة التي يقترب فيها الموقف أو الإنسان، من الوصول الحتمي لتوقيت معين لا يمكن تدارك تبعاته بسهولة، وغالبا ما نسمع هذا النداء في المطارات!

وهي دعوة للركاب الغافلين، أو المتأخرين لتدارك الصعود للطائرة قبل إغلاق البوابة، وحينها يغدو الصعود ضربا من المحال!

والمصطلح استخدم في عموم مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والرياضية وغيرها. واستعير في السياسة والحروب لبيان المواقف العسيرة والمعقدة، وضرورة اتخاذ التدابير الوقائية والعلاجية قبل الوصول لمرحلة الانفجار العام والانهيار نتيجة السياسات الخاطئة والفوضى الإدارية.

واستفيد منه اجتماعيا للتحذير من الظواهر الساحقة ومنها المخدرات والتلاعب بالقوانين وغيرها من السلوكيات الضاربة لأمن الدولة والمجتمع!

واستعمل المصطلح طبيا في أوقات السلم والحرب، ولهذا وجدنا أن القائمين على القطاع الصحي لغزة أطلقوا، الثلاثاء الماضي، “النداء الأخير” لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من البشر الذين تاهوا بين الضربات الجوية والصاروخية “الإسرائيلية” العشوائية، والحصار الظالم المطبق على القطاع!

وأطلقت صحة غزة “نداءها الأخير” للمجتمع الدولي بضرورة التدخل السريع لإنقاذ الأرواح التي لم تعد مرتبطة بالحرب فقط بل بانتشار أمراض قاتلة مثل مرض متلازمة “غيلان باريه” النادر!

وفي هذه الظروف المشحونة بالرعب والجوع والموت يسعى رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو للحصول على موافقة مجلس الوزراء لدعم خطته الخيالية لاحتلال غزة كاملة رغم رفض جيشه لفكرته الجنونية!

وكشفت بعض الصحف العبرية، الثلاثاء الماضي، أن نتنياهو أبلغ فريقه: ” قد حُسم الأمر، نحن نهدف إلى احتلال كامل لقطاع غزة”، وأكد بأنه ستكون هناك عمليات حتى في “المناطق التي يُحتجز فيها الرهائن”، وإذا لم “يوافق رئيس الأركان”، الفريق إيال زمير، “فعليه الاستقالة”، كونه يُعارض احتلال غزة!

التوجه “الإسرائيلي” الجديد يؤكد سعي “تل أبيب” الحثيث لإفشال مفاوضاتها مع الفلسطينيين في الدوحة، ويثبت بأن “إسرائيل” لم تأت للمفاوضات للوصول إلى حلول مقبولة للطرفين، ولكنها أرادت أن تُملي شروطها على الفلسطينيين، وهذا الرأي لا يمكن قبوله بعد التضحيات الفلسطينية الضخمة، والاستخفاف “الإسرائيلي” بحياة الفلسطينيين، وحاضرهم ومستقبلهم!

وتسيطر “إسرائيل” حاليا، وفقا لحكومة غزة، على 77 بالمئة من مساحة غزة؛ وهذا يعني أنها تُخطط لاحتلال الربع المتبقي من القطاع!

وبعيدا عن المؤيدين والمعارضين لخطة نتنياهو، أرى بأنه يفترض الوقوف أمام عدة أسئلة كبرى، ومنها:

– ما مصير أكثر من مليون ونصف فلسطيني من المحاصرين داخل غزة، ومَنْ سيحميهم، وخصوصا أن نصفهم، ربما، سيُسحقون بمخطط نتنياهو الجديد؟

– ثم بأي أرض يمكن أن يؤول مصير هؤلاء المحاصرين بعد الحرب؟

– ومَن سيضمن سلامة الأسرى الصهاينة داخل القطاع، وهل مسؤولية قتلهم “المتوقعة” خلال الهجوم المرتقب تقع على نتنياهو أم على المقاومة التي حافظت على حياتهم في أصعب الظروف؟

– وما الموقف الدولي والعربي من هذه الخطوة الصهيونية المصيرية والفاصلة، وما تداعياتها؟

هذه التساؤلات والاحتمالات الجوهرية وغيرها تجعل العالم على مفترق طريق حاد جدا، وعليه ينبغي العمل بالوسائل الدبلوماسية وعبر المحافل الدولية والعلاقات مع الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات الأمريكية، لإنقاذ ما تبقى من غزة، وإلا فإننا سنشهد أكبر مجزرة إنسانية تُغذّي غرور نتنياهو وتسحق الأبرياء!

وهكذا، وفي ضوء تراخي غالبية الدول عن نصرة غزة، أعتقد أن هذا النداء هو “النداء الأخير” للإنسانية لتنقذ سمعتها من “الموقف المخجل” الذي سيلاحقها إلى يوم القيامة!

إن “النداء الأخير” يَفرض على الأنقياء العمل لدعم غزة، كلٌ من موقعه، وأقل الدعم هو الرفض للهمجية “الإسرائيلية”، ولو في القلب، بعيدا عن الموقف “السقيم” بالوقوف مع “إسرائيل” ضد المقاومة الفلسطينية!

هي فرصتنا التاريخية لنصرة غزة، رمز البطولة والرجولة والتمسك بالحقوق، وبوابة صيانة الماضي والحاضر والمستقبل!

وهي “النداء الأخير” للعالم أجمع: “فهل ستتحرك الدول قبل أن يلفظ مَن تبقى من سكان غزة أنفاسهم؟ كما قالت صحة القطاع في “صرختها الأخيرة”!