في مفترق الأسطورة والتاريخ تنهض من ذاكرة البشر صورتان متقدتان كاللهيب: جان دارك، عذراء أورليان التي انتشلت فرنسا من تحت ركام الهزيمة ورفعتها على أكتاف النصر، وذات الهمة، أميرة الصحراء وسيدة السيف التي امتطت صهوة المجد في سِيَر العرب، فخطّت بحدِّ نصلها فصلاً من البطولة لا يُمحى. هذه محاورة متخيلة بين امرأتين من نور لا يخبو، ونار لا تنطفئ.

جان دارك: ما أعجب أن نلتقي، يا أميرة الرمال والخيل. بلغني أنكِ دوّختِ ملوك الروم، وقادتك شجاعتك حتى تخوم القسطنطينية.

ذات الهمّة: وأنتِ، يا عذراء أورليان، شقّ اسمك أمواج البحر، ووصلنا خبرك: فتاة إفرنجية شجاعة تهبّ لنصرة قومها، وتقود الجنود إلى نصر مبين. ما الذي أيقظ فيكِ روح القتال؟

جان دارك: سمعتُ نداء من الأعالي حين كنتُ بعدُ طفلة. لبّيت النداء لنصرة فرنسا المجروحة، وحملت الراية وشهرت السيف ضد الأعداء.

ذات الهمة: أما أنا فقد ولدتُ في زمن تكاثرت فيه جراح الأمة. استجبتُ لصوت من الأرض.. صرخة أمّ، أو بكاء محاصر، أو أنين امرأة مهانة.

جان دارك: قاتلتُ في أورليان بلا درع، وكانت درعي إيماني. قالوا إنني مهرطقة، لأنني استمعتُ للسماء دون وساطة الكنيسة. أحرقوا جسدي، لكن لم يستطيعوا أن يحرقوا يقيني.

ذات الهمة: ونحن النساء إذا حملنا السلاح اتُّهِمنا، وإذا انتصرنا أُهمِلنا. لكنني نقشتُ اسمي في سير العرب، لا طلباً لعرش، بل دفاعاً عن الحق وصوناً لعزّة الدار والأهل.

جان دارك: طالما راودني الحلم بمصاحبة أنثى تمشي مثلي على الحافة بين المجد والانكسار، بين النصر والضياع. أسألك: هل ارتجف قلبك يوماً عند عتبة المعركة؟

ذات الهمة: ما عاد في القلبِ متسع للتردد، مذ رأيتُ الطفل يصرخ في العراء، والجوعى يستغيثون بغير مجيب. كنتُ السيف حين خمدت السيوف، وكنتُ الأمّ حين جفّت المآقي، وفي زمن عزّت فيه الهمم، كنتُ ذات الهمة.

جان دارك: إن القهر يا أختي لا يطفئ الشعلة، بل يمدّها بزيت سماوي. قانون التاريخ صارخ رغم الصمت: الظلم لا يُطفئ النور، بل يشحذه. والمقموعون حين يجتمعون على الحلم يخلقون الحرية.

ذات الهمة: تعاليْ يا جان لنمضِ معاً. نشعل شرارات الرجاء في عتمة طال ليلها، فلنكن في كل موضع يصرخ فيه الجريح، ويئنّ فيه الجائع، وتحترق فيه خيمة لجوء، وتحت أنقاض كل بيت مازال يحتفظ برائحة الحياة.