يرتكز مفهوم الأمن الإنساني على سبعة أبعاد رئيسية وفقًا لتقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP, 1994)

أما الثروة الحيوانية فهي مكون رئيسي في النظام الغذائي والمعيشي في السودان، حيث تسهم في أكثر من 40% من دخل الأسر الريفية، وتوفر البروتين الحيواني، ومصدرًا للرزق، والنقل، والسماد، والادخار.

أولًا: العلاقة بين الأمن الإنساني والثروة الحيوانية:

من منظور الأمن الغذائي والتغذية:

الثروة الحيوانية تسهم في تلبية الاحتياجات البروتينية، إذ توفر اللحوم والألبان والبيض، وهي مصادر أساسية للأحماض الأمينية الأساسية، والكالسيوم، وفيتامين B12 تُعد هذه المنتجات من البروتينات ذات القيمة البيولوجية العالي (High Biological Value)،ما يجعلها ضرورية لنمو الخلايا وبناء الأنسجة، لا سيما عند الأطفال.

بحسب منظمة الأغذية والزراعة (FAO, 2023) يعاني أكثر من 35% من أطفال السودان دون سن الخامسة من التقزم نتيجة نقص التغذية، وهي نسبة تزداد في المناطق المتأثرة بالحرب. تشير بيانات المسح الغذائي القومي بالسودان (2021) إلى أن 54% من الأطفال في المناطق الريفية لا يحصلون على الحد الأدنى من التنوع الغذائي، رغم توفر الثروة الحيوانية

. من منظور الأمن الاقتصادي:

يعمل في قطاع الثروة الحيوانية أكثر من 8 ملايين سوداني بشكل مباشر أو غير مباشر (FAO). يقدَّر أن إنتاج السودان من اللحوم يتجاوز 1.2 مليون طن سنويًا، بينما إنتاج الألبان يقدر بنحو 7 مليار لتر سنويًا، ولكن 30-40% من الإنتاج يهدر بسبب ضعف البنية التحتية وسلاسل التبريد. يُسهم هذا القطاع في تحريك سلاسل القيمة (Value Chains) التي تشمل الرعي، الإنتاج، المعالجة، التسويق، والتصدير. بلغت صادرات السودان من الحيوانات الحية واللحوم المجمدة نحو 574 مليون دولار أمريكي عام 2022، تمثل 38% من إجمالي الصادرات غير البترولية، لكنها تراجعت إلى أقل من 180 مليون دولار في عام 2024 بسبب الحرب.

من منظور الصحة العامة:

الحيوانات تنقل أمراضًا حيوانية المنشأ (Zoonotic Diseases) ، مثل الحمى النزفية، والسل البقري، وداء البروسيلا، والتي تزداد في حالات غياب الرقابة البيطرية. تُظهر تقارير منظمة الصحة العالمية (WHO, 2022) أن 60% من مسببات الأمراض المعدية الناشئة عالميًا هي من أصل حيواني، مما يجعل الرقابة البيطرية في السودان مسألة حيوية. كما أن ضعف الإشراف البيطري يؤدي إلى استخدام عشوائي للمضادات الحيوية، ما يرفع من خطر مقاومة الميكروبات للأدوية (AMR). ضعف التحصين أدى إلى ظهور موجات وبائية في غرب كردفان ودارفور، حيث سجلت وزارة الثروة الحيوانية (2024) أكثر من 200 ألف إصابة في الأغنام بالحمى القلاعية خلال عام واحد فقط.

ثانيًا: أثر الحروب والنزاعات على النظام البيئي الحيواني والإنساني

اضطراب الدورة الاقتصادية الحيوانية:

الحرب أدت إلى تدمير مسارات الترحال الرعوي (Pastoral Corridors)، وهي أساسية للرعاة المتنقلين. غياب الأمن أدى إلى نهب الثروة الحيوانية، وخاصة في دارفور وكردفان، حيث قُدر عدد الحيوانات المفقودة أو المنهوبة بأكثر من 2 مليون رأس خلال عام واحد.

النزوح وانقطاع الخدمات:

النزوح القسري يخلق ضغطًا على مناطق الاستضافة، ويزيد من المنافسة على الموارد الطبيعية (مثل المراعي والمياه)، ما يؤدي إلى نزاعات أهلية. في بعض المناطق مثل النيل الأزرق، اختفت فرق الإرشاد البيطري بالكامل، وتوقفت عمليات التلقيح والتحصين منذ أكثر من عامين.

انعدام الأمن الغذائي:

وفقًا لتقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC, 2024) ، فإن نحو 25.6 مليون شخص في السودان يعانون من انعدام الأمن الغذائي، من بينهم 6.3 مليون في حالة “انعدام غذائي حاد جدًا”. انخفاض إنتاج اللحوم أدى إلى انخفاض نصيب الفرد من البروتين الحيواني إلى أقل من 12 غرام/اليوم، بينما المعدل العالمي الموصى به هو 25 غرامًا.

ثالثًا: خطة استراتيجية علمية لمعالجة الوضع

1. الاستجابة السريعة (خلال 6 أشهر)

تشكيل فرق طوارئ بيطرية متنقلة بدعم من منظمة FAO والمنظمة العالمية لصحة الحيوان (WOAH). تفعيل نظم الإنذار المبكر (Early Warning Systems) لرصد الأوبئة الحيوانية. توزيع أعلاف طارئة ومعالجة آثار الجفاف في المراعي.

2. إعادة الإعمار (1 – 3 سنوات)

إنشاء صندوق تنمية الثروة الحيوانية تدريب المجتمعات المحلية على التربية المكثفة والرعاية البيطرية الأولية. دعم إنشاء مسالخ حديثة ومصانع ألبان بأساليب تبريد مستدامة

3. الاستدامة والتكامل التنموي (أكثر من 3 سنوات)

ربط قاعدة بيانات الثروة الحيوانية بالنظام الإحصائي القومي. دعم الابتكار البيطري والبحث العلمي لتطوير لقاحات محلية. إنشاء نظام تتبع إلكتروني (Animal Traceability System) لتقليل الفاقد وتحسين مكافحة الأمراض. إدماج مقاربة “الصحة الواحدة – One Health” لدمج صحة الإنسان والحيوان والبيئة. إشراك الرعاة والمزارعين في التخطيط المحلي عبر برامج “السلام من خلال التنمية”.

خاتمة

إن العلاقة بين الأمن الإنساني وتنمية الثروة الحيوانية في السودان علاقة متشابكة لا يمكن فصلها. ففقدان إحدى الركائز يؤدي إلى انهيار الأخرى، خاصة في بلد يعتمد أكثر من نصف سكانه على أنشطة رعوية وزراعية. بناء السلام لا بد أن يكون شاملاً، يبدأ من القرى والمراعي والأسواق، ويمر عبر تحسين صحة الحيوان والإنسان، وينتهي بتحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية.