من الواضح الان ان مأتم ليس اجتهادا لفرع عطبرة، بل خطأ باركته قيادة الحزب، والدليل هو نشر لقاء تبريري في جريدة الميدان ، ودفاع احد أعضاء المكتب السياسي وكتاب الحزب الراتبين عنه، ووصول الأمر لتغذية بعض المدافعين عن الأمر الذكاء الاصطناعي بمعلومات منحازة للخطأ، ونشر ما توصل اليه وفقا لرغبته وتخطيطه على الملأ، وكل ذلك يؤكد الإصرار على الخطأ. في مقابل ذلك، كتب بعض أعضاء الحزب – لهم كامل التقدير- ناقدين هذا التوجه المدمر، ومطالبين بعدم المكابرة ونقد الخطأ وإصلاح مسار العمل بين الجماهير.

وحتى لا يصبح الأمر مساجلة تضيع الجهد المطلوب توجيهه لملاحقة الأحداث ورصد تحولات الساحة السياسية المتسارعة بما فيها لقاء قائد الانقلابات المزمن بممثل الإدارة الأمريكية وبيان مجلس الأمن الأخير ، نلخص المشكلة ببساطة وننتظر من الحزب العريق تصحيح خطأه الفادح بالنقد الجماهيري والاعتذار، لأن المرحلة القادمة تتطلب وضوحا تاما في الخط السياسي. والخط السياسي كما هو معلوم :” مجمل التكتيكات والأدوات والشعارات التي يتم تبنيها لتنفيذ البرنامج السياسي”، ومن سماته الأساسية الاتساق وعدم التناقض بين التكتيكات والأدوات بما فيها التحالفات والشعارات كذلك. والكل يعلم ان خط الحزب المعلن هو القطيعة مع السلطة غير الشرعية، والعمل وسط الجماهير لرفع وعيها بحقوقها وانتزاعها من هذه السلطة المعادية لها وتماسكها التكتيكات اللازمة لذلك، وتنظيمها حسب الإمكانية ضمن الظروف المتاحة بتكوين اجسام وصنع تحالفات تمكنها من فرض ارادتها، وتبني شعارات في جوهرها هي شعارات ثورة ديسمبر المجيدة مع الأخذ في الاعتبار ظروف الحرب ليصبح الشعار المناسب والأعم الان هو “لا للحرب ونعم للثورة”. ولسنا في حاجة للقول بأن فرع عطبرة قد صنع خطا سياسيا بديلا هو: في مجال الخدمات، التكتيك هو تجاوز الجماهير وحركتها، والتواصل مع السلطة غير الشرعية، والأداة هي تكوين آلية مع السلة لتنفيذ المشروع الخدمي، والشعار هو التعاون مع السلطة بدلا من القطيعة معها. والحزب بين امرين: إما ان يقنع الجماهير بأن خطه قد تغير او على الأقل أصبحت له استثناءات في مسألة الخدمات، او ان يعتذر لهذه الجماهير علنا وينتقد نفسه. وفي حال تبنى الأمر الأول ، عليه ان يشرح كيف يمكن ان يكون لحزب خط سياسي مع استثناءات من ناحية نظرية ، وان يثقف الجميع حول إمكانية تناقض تكتيكات الخط السياسي حتى نزداد معرفة. فالسير في الاتجاه التبريري لن يقود سوى للإضرار بالحزب اولا ، وبحركة الجماهير ونضالها بصفة عامة ثانياً. وليتضح ذلك نمثل للرد على الاتجاه التبريري بالأسئلة المباشرة التالية:

١- هل طرح المبادرة للسلطة والقبول في مشاركتها آلية لتنفيذها لا يعتبر تعاون في نظر المبررين؟ إذا كان هذا ليس تعاونا وشراكة في القطاع الخدمي السياسي بطبيعته، ما هو مفهوم المبررين للشراكة؟ هل يجوز في نظر المبررين التعاون مع السلطة المعادية للجماهير والتناقض بينهما تناقضا تناحريا بعيدا عن حركة الجماهير وفي آليات منفردة غير معلوم ماهيتها؟ ألا يعتبر هذا التعاون والشراكة اعترافاً بالسلطة وبدورها السياسي الخدمي ومشاركتها فيه، بل وإعفائها من قيامها بواجباتها التي تخلت عنها منذ تأسيسها؟ هل تواجد الحزب في آلية مشتركة مع السلطة لا يعني شراكة؟

٢- الا يعلم المبررون ان حركة الجماهير من حقها تكوين آلياتها للضغط على السلطة سواء عبر التواصل معها او عبر حراك جماهيري يجبرها على تقديم التنازلات دون ذلك التواصل؟ الا يعلم المبررون ان الجماهير المنظمة من حقها ان تختار القيادة التي تمثلها وان تختار الطريقة التي تحقق بها أهداف المبادرة؟ الا يعلم المبررون ان حركة الجماهير المنظمة تستطيع فرض ارادتها على السلطة في حين ان الحزب لا يستطيع ذلك وهو غير قادر حتى على الدفاع عن عضويته التي يتم اغتيالها في معتقلات السلطة في أيام تقديم المبادرة؟ هل يجوز للحزب ان يتقدم بمبادرة لتمويل مشروع كبديل عن السلطة ولا يطرح تصوره هذا للجماهير التي ستقوم في الغالب بهذا التمويل مسبقاً ( لا اعتقد ان الحزب سيقوم بتمويل المشروع بدلاً من الحكومة)؟

٣- كيف تكون مطالبة الحزب بأن يعمل وسط الجماهير مصادرة لحقه في النشاط المستقل؟ كيف تكون مطالبة الحزب بالتمسك بخطه السياسي وعدم التواصل مع السلطة مصادرة لنشاطه المستقل؟ هل نشاط الحزب المستقل يعني تجاوز حركة الجماهير والتعاون مع السلطة المعادية لها؟ هل مطالبة الحزب بألا يسمح لاحد فروعه بالتناقض مع خطه السياسي المعلن يعني مصادرة لنشاطه المستقل؟ هل مطالبة الحزب بألا يخدم الجماهير بالتعاون مع السلطة المعادية لها مصادرة لنشاطه المستقل؟

اما الملاحظات على مقال الذكاء الاصطناعي المفترى عليه والذي تم تغذيته بمعلومات منحازة للوصول إلى النتيجة المرغوب بها، وتم التصرف فيما توصل اليه بعد ذلك ، فيمكن تلخيصها فيما يلي:

اولا: الحزب لم يضغط على السلطة بل تعاون معها، وهو لا يملك اي وسائل للضغط.

ثانيا: أنا لم اقف ضد المبادرة ، بل طلبت ان يقدم الحزب مبادرته للجماهير وينظمها حتى تضغط هي على السلطة.

ثالثا: إذا نجحت المبادرة سيتم تضليل الجماهير تماما، وإيهامها بأن التعاون والشراكة مع السلطة ، هي وسيلة الوصول إلى معالجة مشاكلها لا النضال والتصعيد في مواجهة السلطة، وهذه كارثة كبيرة.

رابعا: المقارنة بين فرع أم درمان وعطبرة صحيحة، لأنها تتم وفقا لخط الحزب المعلن ، وهو النضال وسط الجماهير لا التعاون مع السلطة.

خامساً: التجاوز ليس ترتيبا للاولويات لان التجاوز يخلق آليات خارج سيطرة الجماهير، وإشراكها سيصبح لاحقا من مواقع التبعية لا المبادرة. والواقع الأمني لايصلح عذرا لأن صلاحيته تعني ان المبادرة لا يمكن ان تتم إلا بموافقة السلطة ومشاركتها والخضوع لشروطها.

سادسا: التعاون وليس التعامل المؤقت مع السلطة شراكة مؤقتة، ولم اقل انه تحالف مستدام أصلا، وخدمة الجماهير لا تستلزم هذا التعاون حتماً، بل الأصح ان تتم عبر الضغط والتصعيد الجماهيري.

ختام مساهمتي المتواضعة هو الاحتفاء بالصراع الفكري الجيد الذي أثارته حول كيفية التعامل مع السلطة غير الشرعية والخط السياسي ، مع تمني ان ينتبه الحزب الشيوعي للخطأ الفادح الذي وقع فيه، وان يقوم عاجلا بانتقاد ذاته جماهيريا ، والاعتذار لشعبنا الصابر المناضل.

وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!!

15/8/2025