الدكتور عبدالواحد زينل المشارك في قمة “بالعربي”.

لطالما تحدّثنا بلغتنا العربية واستخدمنا مفاهيمها في يومياتنا، فهل فكّرنا يوماً في أهمية اللغة في المجالات العلمية؟

في السنوات الأخيرة، لم تعد اللغة العربية حكراً على ناطقيها، بل جابت العالم من الشرق إلى الغرب، وطرقت أبواب المجالات الأدبية والعلمية على أنواعها، حتى صار “للأفكار صوت وصدى”، كاسم الشعار الذي أطلقته “مؤسسة قطر” الثقافية على مبادرتها الجديدة “بالعربي”.

تسعى مبادرة “بالعربي” لإيصال اللغة إلى الجميع، والاحتفاء بتنوّع ثقافتها وأفكارها، وتعزيز أصوات الناطقين بلغة الضادّ، من خلال تسليط الضوء على قصصهم وإبداعاتهم.

ومن هنا كانت جولة “بالعربي” عبر الدول: من بغداد إلى عمّان والدوحة وصولاً إلى كاليفورنيا، حيث برزت مواهب عديدة، تمايزت بمجالاتها وجمعها رابط اللغة، سعياً لنشر المعرفة باللسان العربي.

تلاقت هذه الرؤى في أروقة قمّة “بالعربي” الافتتاحية التابعة لمؤسسة قطر، لتؤكد أن مستقبل الابتكار يمكن أن يُكتب بلغة الضادّ، بعقول عربية تؤمن بقدرتها على التطوير والتغيير.

هذه المواهب جمعتها “مؤسسة قطر” في القمة الافتتاحية لـ”بالعربي”، حيث تنوّعت المحاور بين استكشاف الفضاء، البرمجة والتعليم، العلوم، وتطوير الأدوات الرقمية الحديثة.

من بغداد إلى الفضاء

أطلقت المهندسة العراقية ديانا السندي مسارها العلمي من إيمانٍ بأنّ “الفضاء أقرب مما كنا نتخايله”، فاستطاعت أن تُبرهن أنّ الطموحات الكبرى لا تعرف حدوداً أو جغرافيا.

خلال قمة “بالعربي” في قطر، شرحت السندي مفهوم كلمة “صاروخ” في الثقافتَين العربية والغربية، وفتحت للشباب العربي آفاقاً علمية جديدة.

لم تكُن تحلم السندي سابقاً بالفضاء إلى حين انتقالها إلى الولايات المتحدة وقراءتها قصة عن فتاة تعمل في “ناسا” ضمن مشروع لمحاكاة بيئة المريخ. تساءلت السندي: “لماذا تختلف كلمة (صاروخ) في وقعها بين اللغتَين؟ ففي العربية ترتبط بالحرب، بينما في الإنكليزية تُحيل إلى الاستكشاف”.

البرمجة بأياد صغيرة

الآن، مع قصة نجاح أخرى في قمة “بالعربي”، والتي شاركها الدكتور عبدالواحد زينل، الطبيب والأكاديمي القطري، سعياً إلى تعزيز التعليم الرقمي لدى الأطفال.

من قلب العاصمة الدوحة، يقود زينل أكاديميته “كاملكود”، التي تُقدّم معرفة في أساسيات البرمجة والتكنولوجيا بلغة عربية مبسّطة تدمج التعلّم مع التطبيق العملي.

طوّر زينل نموذجاً تعليميّاً رقميّاً يفتح آفاقاً جديدة أمام الأطفال، مؤكداً: “لا يكفي أن نعلّمهم استخدام التكنولوجيا، بل ينبغي أن نمنحهم مفاتيح صناعتها”.

ومن خلال تجربته التي مزجت ما بين الطب والتعليم في جامعة قطر، أبرز زينل أهميّة الدمج بين الاختصاصات، فقال: “البرمجة ليست مجرّد رموز، بل منهجية للتفكير وأسلوب لتفكيك المشكلات. وحينما نعلّم طفلاً البرمجة، فإننا نمنحه مفاتيح المستقبل”، مشدّداً على دور اللغة العربية في مجال البرمجة، إذ إنّ “اللغة قادرة على احتضان أحدث المفاهيم العلمية والتقنية”.

صانعة “البهجة العلمية”

من الأردن، اختارت صانعة المحتوى العلمي، سلام قطناني، تبسيط العلوم وتحويلها إلى تجارب ممتعة، فقدّمت محتوىً علميّاً تفاعليّاً جذب أكثر من مليون متابع عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

بدأت رحلتها كمضيفة طيران وضابط ملاحة جوية، لكنّ شغفها بالعلوم قادها إلى عالم إنتاج المحتوى العلمي وتقديمه على منصات التواصل الاجتماعي.

خلال مشاركتها في قمة “بالعربي”، توجّهت قطناني إلى الحضور بسؤال: “هل شاهدتم يوماً ملامح طفل عند رؤية تفاعل كيميائي للمرة الأولى؟ تلك الدهشة هي روح العلم الحقيقية”.

وأضافت: “المشكلة ليست في العلوم، بل في طريقة تقديمها، ففي جوهر العلم قصّة مدهشة عن العالم، وعندما نرويها بلغة بسيطة، يتحوّل الجميع إلى عاشق للمعرفة “.

كشفت سلام قطناني أيضاً أسرار تحويل المفاهيم المعقّدة إلى تجارب بسيطة وممتعة، قائلة: “في عالمنا العربي، نحتاج إلى تغيير الصورة النمطية عن العلوم كمواد ثقيلة ومملّة. العلم ليس حكراً على فئة معينة، بل هو فضاء مفتوح لكلّ من يملك شغفًا كافيًا لاستكشافه”.

وختمت حديثها بالقول: “المحتوى العلمي العربي ليس ترفاً، بل ضرورة لبناء جيل عربيّ مبدع ومبتكر، يُسهم في صناعة المستقبل بثقة واقتدار”.

إذن، هذه الشهادات التي كرّمتها قمة “بالعربي” و”مؤسسة قطر” الثقافية، تُقدّم صوراً حيّةً لمجتمع متجذّر بلغته العربية، ويؤمن بأنّها قادرة على احتضان المفاهيم العلمية، وبأهمية إنتاج محتوى علميٍّ بلغة الضاد التي يفهمها ويعتز بها، لينشر معرفته من بلده إلى العالم كلّه.