ليست “حفلة الطلاق” زينة تعلق في صالات الفرح، ولا مجرد انفعال فردي عابر، وليست “احتفالا شخصيا” كما تروج له بعض الأصوات؛ بل هي علامة فارقة على تحول مؤلم في الثقافة الأسرية والمجتمعية. إنها زلزال صامت يهز أعماق القيم، ويشق صفوف البيوت، ويكشف عن فجوة هائلة بين مقاصد الشريعة في الميثاق الغليظ، وبين فهم معاصر اختزل الزواج في صور، والطلاق في انتصار! فما كان الطلاق يوما زينة، ولا الانفصال مسرحا، ولا الميثاق الغليظ خاتمة تزف بالأغاني والضحكات؛ بل كان في الشريعة ضرورة تكره، ودواء مرا يلجأ إليه بعد استفراغ الجهد في الإصلاح. لكن حين يسلب الزواج قدسيته، وتفرغ العلاقة من معانيها، وتبتر النصوص من سياقها، وتزين الفوضى بألوان الفرح… يكون هذا هو المشهد: ضحكات فوق ركام البيوت، وتصفيق فوق جراح الأطفال، و”حرية” مزعومة تشترى بثمن الندم المؤجل، وثقافة مشوهة تبارك الفكاك أكثر مما تبارك الثبات. فما الذي أوصلنا إلى هذا؟ وما الأسباب التي فجرت هذه الظاهرة؟ فلنبدأ من الجذور… الأسباب العميقة لظاهرة حفلات الطلاق: 1. فهم ساذج للزواج الزواج عند كثيرين لم يعد مشروعا للسكينة والبناء، بل تحول إلى “تجربة” ذات طابع عاطفي سطحي. بعض النساء ترى الزواج “رواية حب خالدة” لا تعب فيها ولا مسؤوليات، وبعض الرجال يراه ساحة للهيمنة، دون اعتبار لمفهوم المشاركة أو مراعاة الطبائع. وحين تصطدم هذه التوقعات الحالمة بصخرة الواقع، تصاب العلاقة بالانهيار؛ لا لأن الطرفين أشرار، بل لأن الفهم كان ساذجا، والمقدمات هشة. قال رسول الله ﷺ: “الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة” [رواه مسلم]. فالمتاع لا يعني الترف المؤقت، بل الشراكة الهادفة التي تتطلب صبرا وفهما. 2. فهم مشوه للطلاق الطلاق دواء شرعه الله حين تتعذر الحياة، لا حين تتعكر فقط. لكن في التصور المعاصر، صار الطلاق “تحررا”، و”بداية جديدة”، و”فرصة لإعادة اكتشاف الذات”، كما يروج في القصص المستوردة والمقاطع المؤثرة. وقد حذر النبي ﷺ من الطلاق بلا سبب، فقال: “أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس، فحرام عليها رائحة الجنة”. والأسوأ من الطلاق: أن يحول إلى عرض احتفالي، وصرخة نشوة، بدلا من أن يكون لحظة تأمل ومسؤولية. 3. القوامة والتمرد حين تغتال القوامة على يد رجل ظالم، أو ترفض على يد امرأة متمردة، تنهار معاني السكن والرحمة. فالقوامة ليست تسلطا، ولا الطاعة إذلالا، بل توازن شرعي دقيق. قال تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ لكن حين يفهم النص بمعزل عن روح الشراكة، ترى الرجل يتجبر، وتسمع المرأة تقول: “لن أقاد”، وتتحول العلاقة إلى مواجهة لا مودة. 4. غياب الدفء والحوار البيوت لا تنهار فجأة، إنها تبرد أولا. تبرد حين يسكت الطرفان عن التعبير، ويغيب الحديث الحميم، وتستبدل الكلمات الدافئة بالصمت أو الصراخ. إن من أعظم أسباب الألفة: دوام المراسلة والحديث؛ فإن النفوس مجبولة على من يأنس بها ويحادثها. فالحوار ليس ترفا؛ بل صمام أمان. وإذا جف الحوار، ماتت العلاقة وإن بقيت تحت سقف واحد. 5. شعارات زائفة بين امرأة تقول: “أنا قوية”، “مستقلة”، ورجل يقول: “ما أحتاج أحدا”، و”كلمتي لا تناقش”، تنتشر شعارات غير متزنة تملأ الفضاء، وتشحن بها العقول، لكنها تهدم بيوتا، وتفتت أسرا. ففي كل علاقة ناجحة، قدر من الضعف، وقبول بالاحتياج، وتنازل للود. أما الكبرياء الدائم، فهو طريق مسدود. 6. فوضى الحقوق والواجبات استيراد مفاهيم مشوهة من بيئات متفككة، وتغليفها بثوب “الوعي”، أفسد توازن العلاقة. المرأة تطالب بمساواة لا حدود لها، والرجل يتشبث بالقوامة مع إهمال المسؤوليات. والحل أن نعود إلى أصل الشريعة: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن درجة﴾ درجة تكليف وعدل، لا قهر واستعلاء. 7. غياب الناصح الأمين حين يغيب العلماء، ويستبدلون بمؤثرين ومشاهير، تصبح الكلمة الفاصلة في قرار الطلاق تغريدة، أو مقطعا دراميا، لا فتوى ولا نصيحة حكيمة. قال تعالى: ﴿فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها﴾ فأين هؤلاء “الحكماء” اليوم؟ بل أين من يصغي إليهم أصلا؟ 8. المادية القاتلة حين تصبح العلاقة حسابا ماليا، تتساقط فيها معاني المودة، وتتحول النفقة إلى من، والهدايا إلى استثمار، والبيت إلى صفقة! وتغيب المودة التي هي أصل الزواج: ﴿وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ ما قال: “صفقة ومقابلا”. المودة لا تشترى، بل تبنى يوما بعد يوم. 9. ضغط الإعلام والمنصات الإعلام المعاصر يصنع من كل طلاق “قصة نجاح”، ويعرضه على أنه تحرر من القيود، وتحقق للذات؛ فيختزل الألم، وتخفى الدموع، ويعرض الوجه اللامع فقط. والخطر حين تصبح هذه الروايات مصدر إلهام، فتتخذها الشابة قدوة، ويتخذها الشاب مخرجا وهميا من مشكلاته. نعم، قد يكون الطلاق مغنما. لكنه استثناء، لا قاعدة. 10. اجتزاء النصوص الشرعية من أكثر ما يستخدم في تبرير الطلاق الآية: ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته﴾ لكنها ليست رخصة للتمرد، بل وعد بعد عناء. قال ابن عاشور: “الغنى المذكور في الآية ليس دعوة للفراق، بل تسلية لمن اضطر إليه بعد استنفاد الوسائل”. فمن يستدل بها على طلاقه المتهور، يسيء فهم الوحي، ويستخدم النور ليبرر به الهروب. خاتمة: إن حفلات الطلاق ليست سوى العرض الخارجي لمرض داخلي عميق؛ تشوهت فيه المفاهيم، واهتزت القيم، وتقدم الزيف على الصدق، والفرح المصطنع على التأمل العميق. ليس كل طلاق خطأ، وليس كل زواج نعيما. لكن الهروب من الألم لا يكون بالتزييف، ولا يعالج الفشل بالضجيج. الأسرة ميثاق، لا مناسبة، والفكاك حين يقع، ينبغي أن يلف بالحكمة، لا أن يزف بالأهازيج. فلنعد النظر في مفاهيمنا قبل أن نشيع مزيدا من البيوت، ونبني من بقاياها مسارح عبث لا ينتهي.
مدينة المعارض تنجز نحو 80% من استعداداتها لانطلاق معرض دمشق الدولي
16 Aug, 2025
- 1 mins read
Recommended for you
مدينة المعارض تنجز نحو 80% من استعداداتها لانطلاق معرض دمشق الدولي
تقديم طلبات القبول الموحد الثلاثاء و640 طالبا سيتم قبولهم في الطب
وزير الطاقة والمياه الأفغاني للجزيرة نت: بأموالنا نبني السدود ونواجه الجفاف
سعر الحديد اليوم الجمعة 15- 8- 2025.. الطن بـ40 ألف جنيه
الجغبير: القطاع الصناعي يقود النمو الاقتصادي
وزارة الإعلام تعلن إقامة النسخة الـ10 من "واحة الإعلام"