يستخدم وصف الدولة الريعية في السياق الأردني بطريقة خاطئة لأنه يوحي بأن الاقتصاد الأردني يعمل بذات الطريقة السائدة في دول الخليج العربي وليبيا والعراق، والحقيقة، أنه أبعد ما يكون عن ذلك، ولكنه وبإمكانيات محدودة، ونظرًا لميراث مُرَحَل من الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي حيث توسعت بعض الدول في الخدمات المدعومة للمواطنين مثل مصر وسوريا، اضطر لأن يطبق نسخته الخاصة من الدولة الرعائية في الصحة والتعليم وغيرها من الخدمات، كما توسعت الحكومات المتعاقبة في التوظيف بما يزيد عن حاجتها التشغيلية.

مقاربة الإصلاح الإداري تتطلب تخفيضًا لحمولة الحكومة من الكوادر، وعلى الرغم من الإجراءات التي اتخذت في السنوات الأخيرة مثل تراجع المعروض من الوظائف الحكومية، والإحالات على التقاعد، فالمطلوب هو عملية إعادة هندسة شاملة لكثير من القطاعات الحكومية، وهو الأمر الذي سيرتب أثرًا اقتصاديًا سلبيًا، يمكن أن يحدث خللًا في معادلة الاستهلاك القائمة، وهي لا تقل في أهميتها عن بيئة الإنتاج وبنيتها القائمة.

تخفيض تكلفة الحكومة في جانب مصاريفها الجارية المتعلقة بالكوادر يصحح خللًا قديمًا، ولكنه يولد تحديات جديدة متعلقة بالتشغيل الكلي، ويتطلب ذلك، النظر في وضعية القطاع الخاص ورفع قدرته الاستيعابية في مجال التوظيف، بما يعني منحه بعض المزايا التي تشجعه على التوسع في أعماله.

بهذه الخطوة ينتقل الزخم من القطاع الحكومي إلى الخاص، ولا تتوقف آثار ذلك على الأوضاع الاقتصادية، بل يمتد إلى التقاطع مع الحالة السياسية العامة، وتتخارج الحكومة مع وصايتها على الكثير من المعطيات مثل رعاية الأحزاب وتشجيع توسعها وظهورها في المشهد العام.

الإنسحاب من الدور الرعائي للدولة لا يعني تنصلًا من المسؤولية تجاه المواطنين، ولكنه يحقق العدالة ليصبح اتخاذ القرارات الشخصية والفردية قائمًا على مقدمات واقعية، وبذلك يمكن التحفيز الايجابي لبعض المعطيات، فالمشكلة في الأردن كانت في بعض المراحل في الزيادة السكانية غير المنضبطة والتي شجعها وجود الدولة الرعائية، فرب الأسرة لستة أو سبعة أبناء يطلب الرعاية الكاملة في جميع الخدمات، وتاليًا، يطالب بوظائف وإلا فإنه سيشعر أنه مستثنى ومغبون، مع أن ما رتبه على الهيئة الاجتماعية الكلية يفوق كثيرًا ما يقدمه، إلا أن الدولة الأردنية بطبيعة علاقتها مع الأردنيين، تجنبت الحديث المباشر والتوجيه الخشن كما يحدث في مصر التي حصرت المستفيدين على بطاقة الدعم بعدد معين، فكانت تضع حدودًا للقرارات الفردية التي تشكل تزاحمًا على الموارد المحدودة للدولة بشكل عام.

للقطاع الخاص مرونته في أداء أدوار اقتصادية وسياسية، ولكنه يتطلب بيئة مشجعة تشريعيًا وتنظيميًا، وتنسيقًا تستشعر فيه جميع الأطراف بالمسؤولية عن كفاءة الأداء الاقتصادي والأثر الاجتماعي، ويطرح موضوع الاستدامة بوصفه اعتبارًا أساسيًا يروض جنوح القطاع الخاص للوقوع في فخاخ الربحية السريعة.

تعمل الحكومة في بيئة معقدة ومتداخلة وليست بمعزل عن بقية القطاعات، والمشكلة أن الأدوار الاجتماعية التي تتطلب التوعية والحوار تأخذ وقتًا طويلًا، بينما تتطلب عملية هندسة القطاعات الاقتصاد السرعة في اتخاذ القرار، وهو ما يجعل عملية ضبط الايقاع متطلبًا رئيسيًا يجعل تجانس الفريق الاقتصادي أمرًا مهمًا، ولكنه غير كافٍ فقدرة الوزراء الاقتصاديين على ممارسة مهام التواصل الفعال في مرحلة التغيير وإعادة التموضع عامل مؤثر للغاية، ويبدو أن التعديل الوزاري الأخير يصب في هذه الرؤية، ويسعى لمقاربتها من زاوية جديدة.

تفكيك دولة الرعاية في نسختها القديمة يكون بتقديم دولة تكفل توفير الفرص وعدالة توزيعها بناء على مبادئ الاستحقاق الواضحة والشفافة، وفي هذه الدولة يمكن تحقيق الفعالية وتكريسها والنهوض بالمجتمع ليكون محركًا للاقتصاد والتنمية، وهذه تجربة حدثت سابقًا في دول مثل كوريا الجنوبية ولا تشمل على اختراع العجلة من جديد، ولكن المطلوب هو فهم خصوصية الأردن والتحرك بشجاعة ومسؤولية تجاه تصورات جديدة تناسبه في مرحلة جديدة من مسيرته.