الشرطة القضائية… أول من بنى ركائز مديرية الأمن العام.
العميد المتقاعد أنور يحيى*
منذ إعلان دولة لبنان الكبير بإدارة الانتداب الفرنسي (1920-1943)، تولت مديرية الشرطة اللبنانية مهمات أمن الدولة والمواطنين في بيروت والمدن، فيما أوكلت تلك المهمات إلى الدرك خارجها.
تولى المفوض عارف إبراهيم رئاسة القسم العدلي في المديرية وهو المتخصص بالتحقيقات الجنائية بإشراف القضاء، وكان هذا القسم يُمارس مهمات تتخطى حدود الجرائم الواقعة على الأشخاص، لا سيما منها تلك التي تنال من هيبة الدولة المنتدبة والحكومة المحلية.
تولى مفوضية الأمن العام الفرنسي في لبنان، المفوض الفرنسي كولباني واختار لمعاونته المفوض الحقوقي القدير والحديث الخدمة الأمير فريد شهاب (مفوض في البوليس 1930)، والذي أظهر عن قدرات عالية في الاستعلام والعمل الأمني الخاص. كانت مديرية الشرطة تتولى هذه المهمات حتى تسلم الزعيم فؤاد شهاب قيادة الجيش اللبناني بتاريخ 1/8/1945 والذي عين النقيب إميل البستاني رئيساً للمكتب الثاني (المخابرات) في القيادة، وهو المختص بأمن الجيش وسلامة الدولة. لم يتأخر صدور المرسوم الرقم 3845 تاريخ 27/8/1945 الذي قضى باستحداث مديرية الأمن العام التي ترتبط بوزير الداخلية إسوة بمديرية الشرطة، ثم عُين في اليوم عينه المفوض إدوار أبو جودة (1910-1972)، قائد البوليس العدلي، مديرا لهاً، وحُددت مهماتها ومنها: مراقبة السياسة العامة والأجانب والحدود ومكافحة المخدرات والأسلحة. وأضحى المدير الجديد عضواً في المجلس الأعلى لأمن الدولة برئاسة وزير الداخلية وعضوية: قائد الجيش، المدعي العام الاستئنافي، المدير العام لوزارة الداخلية، قائد قوى الأمن الداخلي ومدير الشرطة.
بدأ المدير الجديد بتنظيم الجهاز الأمني الحديث بمعاونة مفوضين ومفتشين من التحري استقدمهم معه من البوليس العدلي ومنهم: فؤاد نمر شمعون، إيفنجيليوس حاجي توما، حسين نصرالله، بشارة القهوجي، شاهين القزي، وغيرهم.
كان التنسيق بين المكتب الثاني في الجيش والمديرية الحديثة جيداً للمحافظة على أمن الوطن، في ظل قدوم أفواج النازحين الفلسطينين نتيجة إرهاب الهاغانا التي استهدفت السكان الأصليين لفلسطين. أضطر الرئيس بشارة الخوري إلى نقل المدير الجديد خارج الأمن العام إلى المديرية العامة لوزارة التربية لظروف لا مجال لذكرها وعين بدلاً منه الخبير بالإستخبارات والعمل الأمني الرفيع، المفوض الأمير فريد شهاب (1910-1985) :قائداً للشرطة القضائية، والذي لمع أسمه بكشف أكثر الجرائم غموضاً ودقة وأبدى شجاعة مميزة بالعمل مع مفوضي الأمن العام الفرنسيين: كولباني وغوتييه.
عرفت مديرية الأمن العام مع الأمير فريد نهضة مميزة لجهة التجهيز والتنظيم بالتنسيق مع المكتب الثاني والشرطة القضائية وهو القادم من رحمها، وحيث أثبت جدارة برئاسته لفرقة مكافحة القمار، وقاد أخطر المهمات لمكافحة الشيوعية في ظل الإنتداب الفرنسي. وكشف خفايا جريمة قتل سيدة بولونية، عشيقة رائد في الاستخبارات الأنكليزية والعامل في بيروت (1948) وغيرها. كان الأمن العام ناط به وحده مهمات التنصت على الإتصالات في ذلك الوقت وقد تعاون مع المكتب الثاني بمنع حدوث مخاطر أمنية تستهدف الدولة اللبنانية الطرية العود في حينها.
كان الرئيس بشارة الخوري يثق بمدير الأمن العام الجديد وقد تم تجهيز المديرية بالوسائل اللازمة للقيام بالمهمات المنوطة بها، حتى كان يوم 6 تموز / يوليو 1949 حين طلب الرئيس من الأمير التوجه برفقة قائد الدرك الزعيم نور الدين الرفاعي إلى الحدود اللبنانية – السورية لتسلم انطون سعادة (الزعيم) رئيس الحزب السوري القومي الإجتماعي، والذي وافق بطل إنقلاب 1949 في دمشق، حسني الزعيم، وصديق الأمير فريد شهاب، على تسليمه إلى لبنان، وهو المطلوب بجرائم تنال من هيبة الدولة واحتلال مراكز أمنية وغيرها، لكن الضابط السوري إشترط إعدام سعادة قبل وصوله إلى بيروت، وإلا …؟
لم يوافق الضابطان اللبنانيان على ذلك وقاما بتسليمه إلى المحكمة العسكرية، وبأصرار من الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح، تمت محاكمة سعادة فوراً وأعدم بتاريخ 8 تموز إنفاذاً لحكم المحكمة. إعترض الأمير فريد شهاب على عدم إفساح المجال للمتهم في الدفاع عن نفسه، فاعتكف في منزله في بعبدا، أسابيع عدة، فكانت النتيجة تقليص صلاحيات الأمن العام وإنزال مرتبتها الى مصلحة ترتبط بمدير الداخلية العام وخفض عديدها وأعطاء قسم من صلاحياتها إلى الشرطة القضائية.
لم تطل هذه الفترة إلا بضعة أشهر إذ عاد الود بين الأمير والرئيس الخوري وأخيه (السلطان) سليم المتنفذ في إدارات الدولة، وعاد الأمن العام مديرية قوية. وقد تمكن الأمير فريد من إلزام طالب الوظيفة العامة في أي إدارة رسمية الحصول على موافقة الدائرة السياسية في الأمن العام للتحقق من سيرته، كما نشّط جهاز المخبرين، وهو الخبير بالتعاطي معهم في زمن عمله في الشرطة القضائية.
لم ينته عهد الأمير فريد في إدارة الأمن العام بنهاية ولاية الرئيس بشارة الخوري 1952، بل كلفه الرئيس كميل شمعون (1952-1958) متابعة إدارة مديرية الأمن العام بعد أن أضحت جهازاً قوياً يمسك الأمن الوطني والسياسي بالتعاون مع المقدم أنطون سعد، رئيس المكتب الثاني في قيادة الجيش (1952-1964) والمفوض خريستو نفاع رئيس الشرطة القضائية..
كانت ثقة القيادات السياسية والاجتماعية بتوازن الأمير فريد وجدارته وشجاعته كبيرة، وهو الذي أنجز مهمة دراسية استخباراتية متقدمة في بريطانيا أثناء قيادته للشرطة القضائية (1945-1948)، برفقة المفوض محي الدين حمادة واكتسب الخبرات الاستعلامية الراقية. وقد مكنّه ذلك من أن يكلفه مجلس الوزراء تولي مهمات محافظ البقاع (1947) لمعالجة عصيان أهالي زحلة ضد الدولة اللبنانية، حين أقدم أحد الجنود على قتل مواطن زحلي لعدم امتثاله لتوجيهات عناصر الحاجز المنصوب على مدخلها، فذهب الأمير فريد منفرداً مع سائقه وتسلم مهمات المحافظ لثلاثة أشهر وأصلح الحال بين الأهالي والحكومة اللبنانية ونال على أثرها تقديراً كبيراً.
إن الشرطة القضائية تفخر بأن يكون إثنين من قادتها السابقين المميزين، أول من بنى ركائز مديرية الأمن العام (1945-1958)، الذي أضحى إدارة وطنية راقية مُجهزة بأفضل التقنيات والخبرات وتسهر على ضبط الأمن المكلفة به، والتي تراعي حقوق الأنسان وتعمل ضمن المهمات المكلفة بها قانوناً بشفافية عالية ومواطنية خالصة، وكما قال نقولا ناصيف في كتابه “سر الدولة”:
“يبقى الأمن العام العين الساهرة وأذنه اللاقطة وفكره الثاقب، وأن الأب الفعلي للأمن العام في لبنان منذ ثلاثينات القرن الماضي كان مديرية الشرطة اللبنانية والبوليس العدلي خصوصاً”.
Recommended for you
مدينة المعارض تنجز نحو 80% من استعداداتها لانطلاق معرض دمشق الدولي
سعر الحديد اليوم الجمعة 15- 8- 2025.. الطن بـ40 ألف جنيه
وزير الطاقة والمياه الأفغاني للجزيرة نت: بأموالنا نبني السدود ونواجه الجفاف
تقديم طلبات القبول الموحد الثلاثاء و640 طالبا سيتم قبولهم في الطب
الجغبير: القطاع الصناعي يقود النمو الاقتصادي
"كي بي إم جي": السعودية تُسرّع وتيرة التحول نحو حكومة رقمية موحدة