فور دخولك بوابة مدينة الشباب، يشعرك كل من ينتسب إليها بامتنانه وانشراحه بالزيارة الملكية الأبوية الأخيرة، وبالقرب الأخوي والاهتمام المستمر من عضيد الشباب سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، الذي يستمد عزم قيادة الساحة الشبابية والرياضية نحو الريادة من رؤية ملكية رحبة بتطلعاتها، ومن نهج حكومي “يعشق التحديات”.

ومن دون أدنى شك، فإن هذه الرعاية الاستثنائية تعلي من قيمة وأهمية قطاع الشباب على قائمة الأولويات التنموية، وتزيد من حماسة عامليه الذين يبهرونك بأدائهم ومعنوياتهم العالية التي تجدد نشاط وحيوية كل من يقصدهم.

وإذا كانت تلك أولى الانطباعات عند زيارة مدينة الشباب، تلبية للدعوة الكريمة للوزيرة الشابة روان توفيقي، فإن ثانيها يتمثل في الطابع القيادي المرن واللامركزي في إدارة هذا المشروع الوطني المتكامل، الذي أجده يلخص كل ما تعمل من أجله الوزارة لخدمة تطلعات الشباب في المشاركة الوطنية، وتنمية وعيهم بمسؤولياتهم المستقبلية، وتسليحهم بالمعارف والمهارات المطلوبة استعداداً للغد البعيد قبل القريب، إلى جانب إكسابهم الصفات والسمات الأساسية التي تدخل في تكوين هويتهم الوطنية.

والواضح أن مثل هذه الأريحية الإدارية قد نجحت في استقطاب أعداد هائلة من المتطوعين المؤهلين الذين ينعشون تركيبة فريق العمل، وجميعهم من أبناء المدينة الشبابية ذاتها، والوافدين إليها سنوياً من كل مدن وقرى البحرين. وأجمل ما فيهم تمثيلهم للوجه السمح والخلق الدمث، و”سنع” التعامل لإنسان البحرين الملتزم بواجباته والمنضبط في تلبية وعوده أينما حضر.

ولعل أهم ما يميز المدينة، التي تُعد أضخم معسكر صيفي تدريبي وتثقيفي للشباب البحريني، هو حجم ما يتم استثماره لتجويد مفرداتها، لتلبية كافة الأذواق وإرضاء كل أشكال الفضول العلمي والطموح العملي.

وأعني الاستثمار الفطن الذي يراعي خطورة ابتعاد القوة الشبابية عن المسارات الصحيحة. وأشير، في هذا السياق، إلى واحدة من أعقد الظواهر التي تكافحها العديد من الدول والمعروفة بوضعية NEET، حيث ينفصل الشباب، طوعاً أو كرهاً، عن أهم ثلاثية في حياتهم: التعليم، والعمل، والتدريب، وما يتبع ذلك من خسائر اجتماعية واقتصادية وتهديدات أمنية، لا أول لها ولا آخر.

أما صور ذلك الاستثمار، فتراها ماثلة في كل ركن من أركان المدينة، التي تعج بالفعاليات المتنوعة، وتسودها أجواء من الفرح والتفاؤل والتشجيع؛ لترتقي بالذائقة الفنية، والمعارف الثقافية والعلمية، وأساليب العيش الصحي، ومهارات ريادة العمل الحر.

ويُنفذ كل ذلك بفلسفة تدريبية مبتكرة تتحرر من قيودها التقليدية، وتعتمد أحدث المنهجيات لمعالجة “حوار الطرشان” بين جاهزية الشباب كقوة إنتاجية ومتطلبات المستقبل.

وفي خطوة تشير إلى تبني الوزارة سياسة قياس مردود استثماراتها، دشنت المدينة مساراً جديداً يعزز خبرتها، ويؤدي إلى مأسسة أعمالها من خلال هيئة خاصة بها، تتفرغ لمهمة قراءة المتغيرات في دنيا الشباب، وطرح الحلول المبتكرة استناداً إلى مخرجات ورشة العمل الضخمة التي تُدار على مدى ستة أسابيع مكثفة.

مدينة الشباب، التي ستتجاوز سريعاً فترتها الزمنية المرتبطة برؤية 2030، أصبحت أكثر استعداداً لترجمة آمال الشباب خارج حدودها، بما تمتلكه من حصيلة وافرة من قصص النجاح الوازنة بشواهد مادية ومعنوية تؤكد استحقاق هذا المشروع الواعد لكل أشكال الدعم من شركاء العمل الوطني لاستدامة تميزه.

وما أشبه المدينة بمنجم الذهب الذي يجب التنقيب في باطنه لاستخلاص انعكاسات الجهد المبذول على شخصية وذهنية شباب اليوم، وخصوصاً الإعلام الوطني بكافة وسائله، ليقتنص بعدسته أهم العناوين، ولكن بصيغة تبتعد عن رتابة العرض وجموده، لتصل بـعصارة العمل والقصد منه إلى جماهيره المعنية.

إذاً، لا بد من رواية القصة بتفاصيلها لهذه “العلامة البحرينية” الخالصة، التي أُنضجت شخصيتها الاعتبارية بفعل العقول الوطنية والجهود التطوعية والتشاركية. وللتذكير، فإن امتحان التطوير المستمر قائم، ومن الضروري تكثيف استعداداته لصعود جبل 2050، للوصول إلى ما هو “أبعد من الأحلام”، كما يبشرنا عنوان المدينة لهذا العام.