عمر العطاس في صباه يعزف على آلة المرواس (من أنواع الطبول) في سن الـ14 من عمره (فرقة أبو سراج)
من حي شعبي في جدة، انطلقت رحلة فنية لم يكن مخططاً لها، لكنها تألقت وامتدت لأكثر من 4 عقود، وأصبحت خلالها “فرقة أبو سراج للفنون الشعبية” علامة سعودية فارقة في التراث الموسيقي المحلي، وسافرت بألوان الفنون التقليدية السعودية إلى كثير من دول العالم، وقدمت فنون “الخبيتي” و”العجل” والطرب “الينبعاوي” الذي تفردت به، وطورته، معتمدة في ذلك على كوكبة من أبرع الشعراء والملحنين.
بدأت القصة في مدرسة اليرموك بحي البغدادية الغربية، أحد أعرق أحياء مدينة جدة الساحلية، حين كان قائد الفرقة ومؤسسها عمر العطاس، في الرابعة عشرة من عمره. ومن خلال حفلات المدرسة نصف السنوية وحفل نهاية العام، كان العطاس يعزف ويغني مع بعض زملائه، في بيئة المدرسة التعليمية، دون أن يتصور للحظة حجم النجاح الذي سيتحقق لاحقاً. يستذكر عمر العطاس، في اتصال هاتفي مع “الشرق الأوسط”، موقفاً أثناء دراسته، وذلك عندما تعثر في مادة “الهندسة”، وأنشد حينها أغنية بلون “الينبعاوي”، وكان ذلك أول انتباهة منه إلى حجم ارتباطه بهذا الفن. وردد:
“بالله عليك
يا مدرس خفف الواجب قليل اليوم
حساب وعلوم وإنشاء وقواعد ونصوص
الهندسة طفشتني زي درس العلوم
أما الرياضة حبيبية ما أغيب عنها ولا يوم”.
ومضت الأيام، حتى عام 1403هـ، حيث اتضحت الرؤية، وأقر الجميع بضرورة تأسيس الفرقة التي كانت لا تزيد على 12 فرداً، على أن يترأسها عمر العطاس، لتنطلق بعدها رحلة البحث عن المكان، وتقديم الأجود من هذا التراث بشكل متطور ومغاير على ما كان عليه الحال في أداء وتقديم الفنون التقليدية. يقول العطاس: “تلقينا في بدايتنا دعماً جيداً من محمد مكوار، مالك إحدى قاعات الأفراح بجدة، من خلال إحياء حفلات الزواج في قاعته دون مقابل، من باب التسويق للفرقة، واستمر هذا الحال في ظل منافسة قوية مع عدد من الفرق الشعبية ومنها مجموعة (أبو هلال)، حتى وضعت فرقتنا نفسها في المشهد الثقافي”، مستذكراً أن أول مبلغ تقاضته الفرقة في إحدى المناسبات، بلغ نحو 4 آلاف ريال (ألف دولار)، والذي اعتُبر حينها مبلغاً كبيراً.
الانتشار المحلي والدولي
أخذت الفرقة في الانتشار، والمشاركة في برامج التنشيط السياحي بالطائف منذ عام 1408هـ، كأول فرقة شعبية تقوم بهذا الدور، وامتدت دعواتها لاحقاً، كما يقول العطاس، إلى دول الخليج، مثل قطر والإمارات وعمان، بعد أزمة الخليج. وأوضح العطاس أن أول مشاركة رسمية خارج المملكة كانت عام 1411هـ في ليبيا، تحت إشراف الرئاسة العامة لرعاية الشباب، وبترشيح من الفنان سراج عمر. ولاحقاً، شاركت الفرقة في دول أوروبية، وقدمت ألواناً فلكلورية تمثل مناطق المملكة المختلفة، سواء بمشاركة الفرقة كاملة أو بعناصر مختارة، مع الحفاظ على الطابع التراثي المميز.
واجهت الفرقة تحديات كبيرة، أبرزها أزمة الخليج الثانية التي عصفت بالمنطقة عام 1990م، حين توقفت الحفلات والإنتاج، واكتفت الفرقة بتقديم الأغاني الوطنية فقط، مسجلة أعمالها للإذاعة بلا مقابل. ويروي العطاس أن الفرقة خلال هذه الفترة أصدرت 8 أغانٍ وطنية، أبرزها “الراية الخضراء” و”رايتي رايتي”، من كلمات الشاعر فهد السعيد، وألحان أحمد عمر، كما كادت أزمة مالية تؤدي إلى فقدان مقر الفرقة، لكن تدخلَ الأمير ماجد بن عبد العزيز، أمير منطقة مكة المكرمة (آنذاك)، بعد أن أخبره الشيخ عبد المحسن السميري بوجود مشكلة في دفع الإيجار، فقام الأمير ماجد على الفور بدعم الفرقة، واحتفظت بمقرها.
المزج بين التراث والتجديد
بدأت الفرقة في إنتاج “كاسيتات” موسيقية تميزت بالجمع بين الإبداع في التجديد وإحياء التراث، وفي الشريط الأول، من أصل 6 أغانٍ، كانت 4 منها جديدة كلياً، في حين كانت الأغنيتان المتبقيتان من التراث العربي، مع إضفاء تطوير موسيقي يلائم العصر؛ ما منح الفرقة هوية فنية متميزة منذ البداية.
كما أدخلت الفرقة آلات موسيقية جديدة مثل الناي والبزق، بجانب آلة الكمان والعود، إضافة إلى تطوير الإيقاعات، بما في ذلك الأنماط المستوحاة من الإيقاع المصري؛ ما أعطى العروض طابعاً فنياً متفرداً.
يروي العطاس أنه بعد انتهاء أزمة الخليج الثانية في عام 1991، عادت الفرقة للحفلات تدريجياً، وطرحت إصدارها السابع الذي حمل اسم “ودعتك الله يا عز إنسان” الذي شهد إدخال آلة البزق لأول مرة، وتوسعاً في تنويعات الإيقاعات؛ ما أضفى بعداً جديداً على الأداء، كما أنتجت الفرقة أوبريت “جوال” عام 1411هـ، من كلمات فؤاد مبعاوي، وألحان عبد الله عقيل، وأداء شعري للشريف فيصل البركاتي، وأنتجته شركة “الجزيرة”، وكان علامة فارقة في تاريخها.
جائزة “أفضل فرقة عربية”
حصلت الفرقة على عدد من الجوائز الإقليمية والدولية التي حفزت مسيرتها، ومن أبرزها جائزة “أفضل فرقة عربية”، وجائزة “قوس أوروبا”، إضافة إلى أكثر من 250 شهادة تقدير وخطاب شكر من جهات رسمية وثقافية داخل المملكة وخارجها، تقديراً لمساهمتها في تطوير اللون “الينبعاوي” وإحياء التراث الفلكلوري.
ويحكي قائد الفرقة عن تحقيق حلم تأسيس الفرقة وتألقها التاريخي، فيقول: “لم نفكر يوماً أن نصبح فرقة لها انتشار وحضور بهذا الحجم، كنا نتمنى فقط أن يكون لدينا مرواس بحري، وأن نتمكن من إحياء حفلات بسيطة. وما جعلنا نصل إلى ما نحن عليه اليوم هو الأشخاص المساندون من المؤسسين والمبدعين”.
وقال أبو سراج إن الأمير الراحل سلطان بن عبد العزيز أحد أبرز الشخصيات التي دعمت الفرقة، وتجلى دعمه في الكثير من المواقف، ومنها عندما اعتمد “فرقة أبو سراج” عام 1412هـ، لتأدية الأناشيد العسكرية الخاصة بالقوات المسلحة، والتي تزيد على 13 أغنية. وعرفاناً بالجميل، قامت الفرقة بتقديم أغنية خاصة للأمير سلطان بن عبد العزيز، بعد عودته من رحلة للعلاج عام 1415هـ، وجاء في مطلعها: “ترانا بخير بوجودك… يا كاسي الليل من جودك”.
ورغم الظروف والتحديات التي واجهتها، ظلت “فرقة أبو سراج” علامة فنية، تجمع بين الأصالة والإبداع، وحافظت بصمودها على الاستمرار، وتحولت الفرقة من حي شعبي، وحلم في عهد الصبا، إلى إرث ثقافي يُحتذى به، وأيقونة موسيقية تُمثل السعودية في المحافل الداخلية والخارجية.
وأشاد العطاس بما تعيشه السعودية من تقدم وازدهار في مختلف المسارات، ومنها الجانب الثقافي الذي يحظى بدعم من وزير الثقافة الأمير بدر بن فرحان، ورئيس الهيئة العامة للترفيه المستشار تركي آل الشيخ، وقال: “سيبقى الموروث الفني الشعبي لأجيال وأجيال قادمة، وسيساهم هذا الدعم في وجوده بشكل لافت في المحافل الدولية”.
Recommended for you
Exhibition City Completes About 80% of Preparations for the Damascus International Fair Launch
Unified Admission Applications Start Tuesday with 640 Students to be Accepted in Medicine
Iron Price on Friday 15-8-2025: Ton at 40,000 EGP
Afghan Energy and Water Minister to Al Jazeera: We Build Dams with Our Own Funds to Combat Drought
Love at First Sight.. Karim Abdel Aziz and Heidi: A Love That Began with a Family Gathering and 20 Years of Marriage
Talib Al-Rifai Chronicles Kuwaiti Art Heritage in "Doukhi.. Tasaseem Al-Saba"