منذ اللحظة التي أُعلن فيها بسيرو ديوماي فاي رئيساً للسنغال في نيسان/أبريل 2024، بدا أن صفحة جديدة قد فُتحت في تاريخ البلاد. فالرجل لم يأتِ من رحم النخبة التقليدية، بل من داخل تيار شبابيّ غاضب، خرج من رحم الاحتجاجات السياسية والاجتماعية التي هزّت السنغال بين 2021 و 2023.

كان وصوله إلى السلطة بمثابة تتويج لحلم طالما راود جيلاً كاملاً من الشباب السنغالي، الذي ضاق ذرعاً بالحكم القائم على الفساد السياسي. إلى جانبه، وقف عثمان سونكو، الرجل الذي تحوّل إلى رمز للمقاومة، وصوت للتغيير، وقائد للثورة الناعمة. ومع أن فاي هو الذي تسلّم مقاليد الرئاسة، فإن سونكو كان القوة المحركة خلف صعوده، مما جعل العلاقة بينهما تبدأ على أساس الثقة والصداقة والتاريخ المشترك. لكن كما في كثير من تجارب السياسة، فإن السلطة تكشف هشاشة العلاقات، وتضع المبادئ على محكّ الحسابات.

ما يحدث في السنغال هو أكثر من مجرد خلاف بين رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه، أو بين صديقين انقلبت صداقتهما إلى خصومة؛ ولو أن الرئيس فاي يصرّ على نفيها، فإنها مع ذلك تبقى لحظة حرجة في تاريخ الانتقال الديموقراطي في البلاد. فقد راهن كثيرون، داخل السنغال وخارجها، على أن تحالف فاي وسونكو سيفتح باباً لعهد سياسي جديد، عنوانه الشفافية، والعدالة، والمشاركة الشعبية الواسعة. لكن التجربة تكشف الآن أن التغيير لا يتم فقط عبر تغيير الوجوه، بل في القدرة على إحداث تحوّل في بنية التفكير والسلوك السياسي، وفي القدرة على إدارة التباين في داخل السلطة من دون أن يتحوّل إلى صراع مدمّر.

لقد بدأ الشرخ بين الرجلين يتضح منذ الأشهر الأولى من تشكيل الحكومة. سونكو، بحكم شعبيته الجارفة، كان يرى نفسه شريكاً في القرار، بل ربما الموجّه الحقيقي للمرحلة. أما فاي، فرأى أن الشرعية الانتخابية منحت له وحده سلطة القيادة، وأن زمن الشعارات يجب أن ينتهي لصالح العمل المؤسساتي الهادئ. في الظاهر، لا شيء يدعو للقلق، فاختلاف الرؤى طبيعي داخل أيّ سلطة، لكن في الحالة السنغالية، التي ما زالت تتلمس طريقها الديموقراطية، فإن الخلافات تأخذ أبعاداً دراماتيكية. فعندما يكون الطرفان مدعومين من الشارع، وتتنازع شرعيتهما الإرادة الشعبية ذاتها، فإن أيّ تصادم لا يعود مجرد تباين في وجهات النظر، بل يصبح تهديداً لمسار سياسي كامل.

والأخطر من ذلك أن الخلاف بين فاي وسونكو يعيد طرح سؤال جوهري حول جدوى التحالفات السياسية التي تقوم على الكاريزما الشخصية أكثر من البرامج. لقد اجتمع الرجلان على هدف إسقاط النظام السابق، لكنهما لم يتّفقا بوضوح على شكل النظام الجديد. فهل كانت هذه الشراكة مجرد تكتيك مرحليّ؟ وهل لدى كل طرف مشروع مختلف لمستقبل البلاد؟ ما لم يجرِ توضيحه في السابق بدأ يطفو الآن على السطح، ومعه تتكشّف الفجوات في الرؤية، والتباينات في إدارة الحكم.

من جهة أخرى، فإن ما يجري يعكس مفارقة لافتة: حين كان سونكو معارضاً، ناضل من أجل تفعيل المؤسسات، واستقلال القضاء، وتوزيع السلطة، أما اليوم، وهو في موقع القوة، فإنه يطالب بصلاحيات أوسع، وربما حتى بتعديل موازين السلطة التنفيذية لصالحه. وفي المقابل، فإن فاي، الذي اعتُبر وجه الإصلاح، يبدو حذراً، متمسكاً بالنظام الرئاسي، مائلاً إلى أهمية موقع البيروقراطية في بنية الحكم وفي مسارات صناعة القرار، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة القيادة الجديدة، ثنائية الرأس، على الوفاء بوعدها بالتغيير الجذري، أمام انتظارات كبيرة للشعب السنغالي.

بكل يقين أن الأزمة الراهنة ليست قدراً محتوماً. لا يزال بإمكان السنغال أن تحوّل هذا التوتر إلى فرصة للمراجعة والتصحيح؛ ذلك أن الديموقراطية لا تعني غياب الخلاف، بل القدرة على إدارته بوسائل سلمية ومؤسسيّة. من هنا، فإن مسؤولية فاي وسونكو اليوم لا تتعلق فقط بالحفاظ على منصبيهما، بل بصيانة التجربة الديموقراطية التي يعلق عليها الشعب السنغالي وعدد من شعوب غربي أفريقيا آمالًا كبيرة. إذا فشل هذا الثنائي في تجاوز أزمته، فذلك يعني في نظر كثيرين أن التغيير لم يكن إلا سطحياً، وأن النظام السياسي في السنغال ما زال رهين الأشخاص لا المؤسسات.

ما يحتاجه الطرفان اليوم هو شجاعة التواضع السياسي. على سونكو أن يدرك أن الشعبية وحدها لا تمنح حق القيادة المطلقة، وعلى فاي أن يعي أن الشرعية لا تُدار بمنطق أحادي. لا بد من العودة إلى روح الشراكة الأصلية، ووضع برنامج واضح لتوزيع الصلاحيات، وإشراك مختلف القوى السياسية والمدنية في صياغة مستقبل البلاد. فالتجربة السنغالية، بكل ما تحمله من رمزية في القارة السمراء، يجب ألا تُختزل بخلاف شخصي، ولا أن تسقط ضحية الطموحات المتضاربة، بين رجلين جمع بينهما قمع السنوات الماضية وفرّقت بينهم مقاعد السلطة.

الاختبار الحقيقي للقيادة لا يكون في لحظات الانتصار، بل في الأزمات. والسنغال، كما تاريخها الطويل مع النضال السلمي، تستحق من قادتها أن يرتفعوا إلى مستوى المسؤولية.