في خضم الاستعدادات لتشريعيات 2026، وجّه جلالة الملك محمد السادس في خطاب العرش الأخير توليفة من التوجيهات السامية لوزير الداخلية، يؤكد فيها على ضرورة اعتماد منظومة من القوانين المؤطِّرة لانتخابات مجلس النواب المقبلة، قبل متم هذه السنة، مع إجرائها في موعدها الدستوري والقانوني العادي، وفتح باب المشاورات السياسية مع مختلف الفاعلين.

في ظل الاستعداد لهذا التمرين الديمقراطي، الذي سيكون لامحالة محطة تاريخية أمام كل الفاعلين الترابيين من أجل المساهمة في بناء جيل جديد من المنتخبين، يعي التحولات، أو بعبارة أصح، الانتصارات الوطنية داخليًا وخارجيًا، وسيكون مسؤولًا عن تدبير مرحلة حاسمة من تاريخ البلاد، تتطلب كفاءات سياسية وتدبيرية قادرة على مواكبة أوراش اقتصادية واجتماعية كبرى، يتبادر إلى أذهاننا سيل من الأسئلة الواقعية، من قبيل: هل نحن بحاجة إلى تجويد المنظومة القانونية الخاصة بالعملية الانتخابية؟ أم بحاجة إلى فاعل سياسي قادر على استيعاب الواقع والاستجابة لحاجيات المواطنين، بالإضافة إلى تمكنه من آليات إنتاج نصوص تشريعية تصون كرامة المواطن المغربي في إطار العيش المشترك؟ أم التوفيق بين جودة المنظومة القانونية وأخلاقيات الفاعل السياسي؟

وهل المجتمع سيحافظ وسيشجع نفس هذا الفاعل السياسي في استحقاقات 2026؟ وما هي خصائص الفاعل السياسي المنشود مستقبلًا؟ وبعبارة أصح: من هو الفاعل السياسي النموذج الذي سيساير هذه التحولات “الميغا” اقتصادية والمتغيرات الجيوسياسية بالمنطقة؟ أسئلة وإشكاليات كبرى طرحها الواقع دوليًا ووطنيا، لذا ينبغي على المؤسسات الحزبية أن تتوقف وقفة تأمل ومراجعة حقيقية لهياكلها الداخلية وخطط عملها على المدى القريب والمتوسط والبعيد. وهكذا، فقد آن الأوان للفاعل السياسي أن يجدد دماءه، وأن يعمل على صناعة شخصيته القيادية داخل المجتمع، وأن يقوي قدراته التواصلية على الخصوص، لأننا في حاجة إلى فاعل سياسي يتقن ميكانيزمات التواصل الحديثة، خاصة تقنيات التفاوض والترافع أمام باقي المؤسسات للدفاع عن الملفات العالقة للساكنة، ناهيكم عن تقنيات التواصل الكتابي الفعالة التي تسعفه على رفع ملفات مطلبية للساكنة، أي باعتباره مثقفًا عضويًا حسب الفيلسوف غرامشي.

وانسجامًا مع حرص الملك على أن تجري كافة الاستحقاقات في إطار ديمقراطي سليم، فإن المرحلة تقتضي من الأحزاب السياسية تفعيل آليات الديمقراطية الداخلية بروح من المسؤولية والجدية، مما يجعل من هذه المناسبة فرصة إيجابية لأجل انتقاء منتخبين ذوي كفاءة علمية ورصيد أخلاقي، مع تعزيز وتشجيع مشاركة النساء والشباب في الحياة السياسية وتغليب المصلحة العامة للبلاد.

وتجدر الإشارة إلى أنه أصبح من الضروري التفكير في التغيير الجذري لمجموعة من السلوكيات، تهم كل الفاعلين الترابيين على حد سواء، وموازاة مع ذلك تفعيل إدارة إلكترونية تنشد قيم التعاون والمرونة والبحث عن الحلول بشكل تشاركي، بعيدًا عن الأساليب التقليدية الموغلة في القدم.

وفي ظل الرهانات المرتبطة بترسيخ الخيار الديمقراطي، وتعزيز الثقة في العملية الانتخابية، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية للمواطنين، أصبح حريًا بالفاعل السياسي أن يتمتع، حسب ماكس فيبر، بمجموعة من المواصفات كي ينجح في مهامه داخل المجال السياسي العام:

الشغف: بمعنى الانكباب على الاهتمام بمشاكل الساكنة من أجل إيجاد حلول عملية وناجعة، ومعالجة قضاياهم بدراية، بعيدًا عن المصالح الذاتية الضيقة (الانتخابية).

الشعور بالمسؤولية: أي الإيمان بالمسؤولية والالتزام بأسئلة الساكنة، أي الالتزام بالمصلحة العامة.

كما ينبغي للفاعل السياسي أن يمتلك خارطة طريق واضحة المعالم، تساعده على القيام بمهامه النبيلة في أفضل الظروف، وذلك من أجل تنمية مستدامة مبنية على البرمجة والتخطيط، لا على العشوائية والمناسباتية.

وعلى الفاعل السياسي عامة أن يتميز بالقدرة على الجهر بالحقيقة، والزعامة، والريادة، والجرأة. وبناء ميثاق الثقة بينه وبين الناخبين من خلال الوفاء بتنزيل وعوده الكامنة في برنامجه الانتخابي، والمبادرة كلما دعت الضرورة لذلك من أجل كسب ثقة الرأي العام.

أعتقد أننا بحاجة ماسّة إلى بناء منظومة قيمية صادقة ومتوازنة مع المصالح الإنسانية، القادرة على عبور أزمة تخليق الحياة السياسية بالمغرب وتداعياتها على المجالين الاقتصادي والاجتماعي. وقد تكون هذه المرحلة فرصة لبناء تلك المنظومة بين الفاعل السياسي والمواطن.

في الختام، سأستعير مقولة شهيرة للمفكر كارل ماركس مفادها: “إن الجدل الهيغلي كان يمشي على رأسه، وقد آن الأوان أن يمشي على قدميه.” فالمقولة نفسها تنطبق اليوم على الفاعل السياسي: فإن كان الفاعل السياسي يمشي على رأسه، فقد آن الأوان أن يمشي على قدميه.