كست مدينة الفاشر قبل 120 عاما أو يزيد قليلا الكعبة، وأسهمت في ذلك إسهامات واضحة، لا تخطئها العين، ولكن أخطأتها ذاكرة الإعلام المشغول عن الجوع الذي ضرب أهل الفاشر وعموم السودانيين بطرق مختلفة.

للأسف، ضاع حظ السودان إزاء جراح تكاثرت على الساحة الإعلامية، وتتابعت، فأصبحت الساحة نهبا للأولويات وما يجري، فقد انفتح جرح غزة الغائر مع جرح السودان في وقت واحد، ومع سخونة أحداث الشرق الأوسط لم يعد ثمة إمكانية للالتفات للسودان.

لو سلمنا بأن الجانب الإنساني متفَق على أهميته لدى الجميع، على اختلاف وجهات نظرهم في الشأن السوداني، فإن الصور الذهنية التي تتحكم في طريقة التحرير، والتعريف بالقضية، مسألة أخرى

السودان قبل الحرب لم يكن في وضع يسمح له باستضافة أحد، ومع ذلك استضاف لاجئين من دول أخرى كاليمن وسوريا وغيرها، وقدمت الدولة السودانية لهم خدمات جمة، وعاملهم الشعب السوداني بود وكرم، وهو أمر يقتضي بالضرورة أن يقوم المجتمع الدولي بواجبه. ولا أدري متى قام المجتمع الدولي بواجبه اصلا، إلا أن يكون عند اقتضاء المصالح، وإلا فيكفيه فخرا إعرابه عن القلق.

لقد حاول برنامج “عمران” للإعلامي والناشط الإنساني المتميز سوار الذهب علي، التركيز على الأزمة والوضع في السودان، لكن محاولته تلك -على قوتها- بقيت وحيدة لم تجد ما يؤازرها إلا بعض ناشطي التواصل الاجتماعي.

إن استعادة الوضع الإنساني في السودان للزخم المطلوب مقرونة بالتعقيدات التي تمليها النظم الإعلامية، والنظام الإعلامي مفهوم يشير إلى العلاقات التي تقوم بين المؤسسة وموجهاتها من جهة، والكوادر العاملة فيها من جهة، والوقائع المحيطة بها من جهة أخرى. ومن هنا، نأتي لمخاطبة لب المعضلة.

فلو سلمنا بأن الجانب الإنساني متفَق على أهميته لدى الجميع، على اختلاف وجهات نظرهم في الشأن السوداني، فإن الصور الذهنية التي تتحكم في طريقة التحرير، والتعريف بالقضية، مسألة أخرى. فبعيدا عن راهن السودان السياسي، كيف كان السودان يقدَّم في الفضائيات؟ وكيف كان يُنظر إليه؟

تفرق دم التغطية الإعلامية حول السودان بين منازع ومذاهب الإعلاميين وما يحكمهم من معايير.. وعلى الفاشر التي كست الكعبة أن تجد من ينضو عنها كساء النسيان

كان السودان دوما جزءا من تغطيات الحروب في السياسة، بل كانت أخطاء المذيعين غير السودانيين في نطق الأسماء لأعلام بارزين في السودان أمرا مرصودا لنا كسودانيين.

أما في الثقافة، فعدا برنامجي “المشاء” و”الشاهد” لم يتعمق أحد في الثقافة السودانية أبعد من تناول روايات الطيب صالح، وأحاديث بروفيسور عبدالله الطيب، أما الأسماء الأخرى التي يحفظها السودانيون فبقيت محصورة في المحلية السودانية، وهي التي أشار إليها ضمنا الإعلامي اللبناني زاهي وهبي ذات مرة حين قال: ثمة أقطار في العالم العربي بها نجوم لا نعرف عنهم الكثير، وكان حقهم الوصول للعالم العربي، لكنهم بقوا في إطار المحلية.

بل إنك لا تجد صحفيا متخصصا في الشأن السوداني عدا السودانيين أنفسهم، فلا يحدثك عن السودان من غير أهله غير اثنين مصريين عرفاه كأهله، وقد رحلا عن دنيانا: ميلاد حنا، ويوسف الشريف.

لهذا، تفرق دم التغطية الإعلامية حول السودان بين منازع ومذاهب الإعلاميين وما يحكمهم من معايير.. وعلى الفاشر التي كست الكعبة أن تجد من ينضو عنها كساء النسيان.