ما إن تتشرف وتطأ قدماك أرض ساحة صحن الحرم المكى، إلا وتشعر بفارق حسى وليس فقط معنوى وروحى عن تلك الأرض التى كانت خارج المسجد، فهى لطيفة البرودة، تعزلك عن حرارة الجو القيظ، وتجعلك مستمتعا بعباداتك فى الطواف، والسعى، وصلوات الفرض والسنة والنفل، والجلوس ناظرا للبيت الحرام متأملا فى بيت الله، لكن لم يتبادر إليك سؤال من الذى خطط ونفذ ليحتمل صحن الحرم ومسجده المكى كل هؤلاء الملايين من البشر؟ ومن فعل ذلك الفعل المبارك بالمسجد النبوى الشريف؟ ومن لّطف على ضيوف الرحمن من لهيب شمس مكة وحرارة هواء المدينة لزوار المقام الشريف ولعمار البيت الحرام؟.
ويأتى الرد الذى تشرّف به كل معتمر وحاج وزائر “مصرى” بين غيره من أجناس الأرض من ضيوف الرحمن، هو المصرى “محمد كمال إسماعيل” وهو المهندس الذى شرّف المصريين، وكان وراء أكبر التوسعات للحرمين الشريفين، فقد اختاره الملك فهد بن عبد العزيز لتصميم هذا العمل الضخم، بعد أن اطلع على مؤلفه بعنوان “موسوعة مساجد مصر” للإشراف على توسعة المسجدين المكى والنبوى،
ولد المهندس المصرى فى 15 سبتمبر 1908 بميت غمر بالدقهلية، وانتقلت أسرته إلى الإسكندرية حصل على الثانوية فى مدرسة العباسية، ليتوجه بعدها إلى القاهرة للالتحاق بمدرسة الهندسة بجامعة فؤاد الأول، وكانت دفعته لم يتعد عددها سبعة طلاب، وافتتن محمد بالعمارة الإسلامية رغم تتلمذه على يد أساتذة من إنجلترا وسويسرا درسوا له فنون العمارة العالمية.. وكان أصغر من حصل على الثانوية فى تاريخ مصر، وأصغر من دخل مدرسة الهندسة الملكية الأولى، وأصغر من تخرج فيها، وأصغر من تم ابتعاثه إلى أوروبا للحصول على شهادة الدكتوراه فى العمارة، كما كان أول مهندس مصرى يحل محل المهندسين الأجانب فى مصر، وكان أيضا أصغر من حصل على وشاح النيل ورتبة البكوية من الملك.
فى مطلع ثلاثينيات القرن الماضى سافر إلى فرنسا للحصول على الدكتوراه التي حصل عليها للمرة الأولى في العمارة من مدرسة بوزال عام 1933، ليكون بذلك أصغر من يحمل لقب دكتور فى الهندسة، تلاها بسنوات قليلة حصل على درجة دكتوراه أخرى فى الإنشاءات، وليعود إلى مصر، ويلتحق بالعمل فى مصلحة المبانى الأميرية التى شغل منصب مديرها فى 1948، كانت المصلحة وقتها تشرف على بناء وصيانة جميع المباني والمصالح الحكومية، لتصمم يداه العديد من الهيئات ومنها دار القضاء العالى، مصلحة التليفونات، مجمع المصالح الحكومية الشهير بمجمع التحرير الذى أنشئ عام 1951 بتكلفة 200 ألف جنيه بالنسبة للإنشاءات، ومليون جنيه، بالنسبة للمباني التى بلغ ارتفاعها 14 طابقا، وكان لتصميم المبني على شكل القوس دوراً فى تحديد شكل ميدان التحرير، كما ينسب له تصميم مسجد صلاح الدين ـ بالمنيل ـ
استدعاه الملك فهد بن عبد العزيز وأوكل إليه مهمة إعداد التصميمات الخاصة بمشروع توسعة الحرم النبوى الشريف، والإشراف على عمليات التنفيذ. وكانت هذه أكبر عملية توسعة للحرم منذ قرون عديدة.
فالحرم النبوى زادت مساحته بمعدل زيادة سبعة أضعاف، من 14 ألف متر إلى 104 آلاف متر مربع، والحرم المكى من 265 ألف متر إلى 315 ألف متر مربع، وبعد التوسعة فى عهد الملك فهد، أصبحت مساحة المسجد حوالى 356,800 متر مربع، ويتسع لما يصل إلى 820 ألف مصلي في الأيام العادية وأكثر من مليون خلال موسم الحج وشهر رمضان، وهى التوسعات التي أشرف عليها بكل ما تضمنته من مشروعات التوسعة والمظلات والتكييفات والجراج الذى يسع لـ 5000 سيارة تحت الأرض، كما أنه أول من وضع الرخام الأبيض لتغطية أرض الحرمين الذي لا يتأثر بالبرودة ولا الحرارة، وبلغ إجمالى تكلفة الأعمال 18 مليار دولار.
ورفض المهندس المصرى الحصول على الملايين مقابل توسعة الحرمين الشريفين، وتم تكريمه من قبل من منظمة المؤتمر الإسلامى بحصوله على جائزة التفوق في العمارة والتي سلمها له الملك فهد شخصيا.
وكان محمد هو صاحب فكرة استخدام رخام التاسوس فى أرضيات المسجد الحرام للتغلب على الطقس الحار فى المملكة العربية السعودية، ويشتهر الرخام الأبيض النادر، المستورد من اليونان، بلمعانه غير العادى ولونه الأبيض وقدرته على تبريد البنايات التى يوضع بها، واستورد محمد هذا الرخام من جزيرة تاسوس باليونان، إذ يتميز هذا الرخام بشدة برودته رغم الحرارة الشديدة التي قد تصل في فصل الصيف إلى 50 درجة مئوية، كما أن هذا النوع من الرخام يعمل على عكس الضوء والحرارة، وله القدرة على الحتفاظ برطوبة الجو ليلا فيحمى غمار البيت الحرام من لظى حرارة النهار، وهو نوع نادر الوجود، وبعد تركيب هذا النوع من الرخام بالمسجد المكى ونال استحسان زوار البيت من ضيوف الرحمن وكذلك نال رضا واعجاب القائمين على خدمة البيت الحرام، وطلب الملك فهد من محمد استقدام نفس الرخام الأبيض فى المسجد النبوى.
ولذلك الأمر حكاية هى بمثابة فتح من فتوحات الله لعباده… فقد سافر محمد لليونان وتعاقد على شراء الكمية الكافية من الرخام الأبيض للحرم المكى، وكانت الكمية التى اشتراها من الشركة تعادل نصف الكمية الموجودة عندهم تماماً، فتعاقد معهم وعاد بالرخام الأبيض، وتم فعلاً وضع الرخام بأرضية الحرم المكى.
وبعد خمسة عشر عاماً، تطلب الحكومة السعودية منه وضع نفس نوع الرخام بالضبط فى الحرم النبوى، وهنا يحكى محمد: “عندما طلب منى مكتب الملك تغطية الحرم النبوى خفت جداً، فلا يوجد على الأرض برحابتها من هذا النوع من الرخام إلا فى منطقة صغيرة باليونان، وأنا إشتريت نصف الكمية من عندهم، ولعل الكمية التى تبّقت قد بيعت كلها.
فذهبت لنفس الشركة باليونان وطلبت مقابلة رئيس مجلس إدارتها، وسألته عن الكمية المتبقية.
فقال لى: لقد تم بيعها بعدك مباشرة.
فيقول حزنت كما لم أحزن فى حياتى كلها، حتى أنى لم أشرب قهوتى وغادرت المكتب، وحجزت على طيارة اليوم التالى للعودة، وعندما خرجت من مكتب رئيس الشركة وجدت السكرتيرة فسألتها ولا أعلم لماذا: من اشترى الكمية المتبقية ؟
قالت لى: هذا أمر مرّ عليه سنوات طويلة ويصعب الرجوع للمشترى
فقال لها: ما زال أمامى يوم فى اليونان أرجوكِ إبحثى وهذا رقم تليفون فندقى، تركت الرقم وذهبت وأنا حزين.
ويقول: بعدما خرجت سألت نفسى: لماذا تريد معرفة من المشترى.
قلت لنفسى:(لعلّ الله يُحدث أمراً)
يقول: فى اليوم التالى وقبل ساعات قليلة من ذهابى للمطار، وجدت السكرتيرة تتصل بى وتقول: تعالى إلى الشركة فعندنا عنوان المشترى.
ويصف شعوره حينها: ذهبت متباطئاً متسائلاً : وماذا أفعل بعنوان من اشترى، وكان عندى بعض الساعات المتبقية على السفر، فذهبت مرة أخرى للشركة وقابلت السكرتيرة، فأعطتنى عنوان الشركة التي اشترت الرخام.
ويصف من جديد مشاعره: خفق قلبى بشدة عندما وجدت المشترى ( شركة سعودية).. وطرت مباشرة إلى السعودية، ثم من المطار إلى الشركة التى اشترت الرخام، ودخلت على رئيس مجلس إدارتها وسألته: ماذا فعلت بالرخام الذى اشتريته منذ سنوات من اليونان؟؟
قال : لا أذكر.. ثم إتصل بالمخازن وسألهم عن الرخام الأبيض اليونانى.. فقالوا له: كل الكمية موجودة كما هى فى المخازن.
ويصف محمد مشاعره التى حلقت به: والله، بكيت بكاءً كالأطفال تماماً.
فسألنى صاحب الشركة: يا أخي، لماذا تبكي ؟!
فحكيت له القصة كاملة
وقلت له : هنا شيك على بياض، إكتب المبلغ الذي تريده ؟
فلما علم صاحب الشركة أن الرخام للحرم النبوي قال لي : والله الذي لا إله إلا هو، لا أخذ ريالاً واحداً ( الرخام كله في سبيل الله )
وإنما أنساني الله سبحانه هذا الرخام في المخازن كل هذه المدة بعد أن جعلني أشتريه، ليكون هنا لهذه المهمة .
ونعود لحياة مهندسنا العظيم محمد الذى تزوج وعمره 44 عاماً، وأنجبت زوجته ولداً قبل وفاتها، ثم كرس إسماعيل نفسه لعبادة الله حتى وفاته عن عمر يناهز 100 عام، مفضلاً الابتعاد عن أضواء وسائل الإعلام.
رحم الله هذا الرجل الذى أخلص لعلمه ولدينه وشرف بإخلاصه كل المصريين
Recommended for you
مدينة المعارض تنجز نحو 80% من استعداداتها لانطلاق معرض دمشق الدولي
سعر الحديد اليوم الجمعة 15- 8- 2025.. الطن بـ40 ألف جنيه
وزير الطاقة والمياه الأفغاني للجزيرة نت: بأموالنا نبني السدود ونواجه الجفاف
تقديم طلبات القبول الموحد الثلاثاء و640 طالبا سيتم قبولهم في الطب
الجغبير: القطاع الصناعي يقود النمو الاقتصادي
"كي بي إم جي": السعودية تُسرّع وتيرة التحول نحو حكومة رقمية موحدة